بين الجذور الأصيلة والبذور الهجينة !
الشمال نيوز – عامر الشعار
بين الجذور الأصيلة والبذور الهجينة !

بقلم فواز شوك
يميل المرء بطبعه وفطرته السليمة الى مناصرة القضايا العادلة، والوقوف في وجه الظلم ورفض كل عمل يتناقض مع الطبيعة البشرية من قتل ومجازر وابادة وتهجير وسفك للدماء وإفساد في الارض وإهلاك للحرث والنسل، هذا الميل نشاهده من خلال هذا الحراك العالمي الضخم ضد ما تقوم به اسرائيل من جرائم ضد الانسانية في غزة، حراك يُواجه من قبل قادة العالم بالصمت حينًا وبالسوط أحيانًا من خلال قيود وقرارات واجراءات تهدف الى التضييق عليه وأضعافه.
هذا الانقسام العمودي بين الشعوب من جهة وقادة الدول من جهة أخرى، بين مواطنين شرفاء استفزّتهم مشاهد القتل والدماء واستنفرتهم فطرتهم السليمة وبين قادة وسياسيين تحركهم المصالح وتتحكم بمواقفهم الأهواء والنزوات، يرسم لنا الإشكالية والمعضلة الكبرى التي يعاني منها عالمنا وهي:
– أن أغلبية من يملكون الضمير لا يملكون القرار
– وأغلبية من يملكون القرار لا يملكون الضمير !
لسنا بصدد مناقشة مواقف أصحاب القرار في عالمنا العربي والإسلامي لأن مواقف معظمهم يمكن أن نختصرها بأربع كلمات ( خضوع للغرب وخداع للشعوب)!
أما مواقف أصحاب القرار في دول الغرب، من العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة فقد تراوحت بين مشارك وداعم ومتواطئ وصامت، مع بعض الاستثناءات في بعض المواقف وخاصة مواقف حكومات إسبانيا وبلجيكا الرافضة للعدوان والمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار.
الحريات رهينة المصالح
الحريات التي تتغنى بها الحكومات الغربية ضَربت في صميمها وحوربت في جوهرها وكشفت مدى التناقض بين الشعارات والواقع، ومدى تناقض مواقف أهل السياسة مع مواقف المواطنين الاحرار الذي مارسوا حرية التعبير بكل جرأة وصدق ونبل، فليس لدى هؤلاء مصالح يخافون عليها أو لوبي يضغط عليهم أو احزاب تحركهم أو منظمات ترسم سياستهم أو أموال وشركات تتحكم بمواقفهم، وانما يتحركون بما يمليه عليهم ضميرهم، مسلحين بالوعي وبفهم ما يجري، على النقيض من القادة والسياسيين الذي تحركهم المصالح وتؤثر عليهم مجموعات الضغط وترعبهم وسائل الإعلام وتقيدهم الأموال، فأقصى ما يمكن أن يصل اليه هؤلاء من مواقف إستعراضية عندما يتعلق الأمر بجرائم الاسرائيلي الفظيعة ضد الإنسان في غزة وضد القوانين الدولية هو ( الشعور بالقلق ) و( الشعور بالاسفل )! ورغم هزالة هذه المواقف وسخافتها فهي لم تأت عن قناعة وانما بدافع الدعاية والمصلحة ومحاولة لارضاء وخداع الرأي العام الداخلي والخارجي، أما (الإدانة) لإسرائيل من قبلهم فهي خارج قاموس مصطلحاتهم السياسية والدبلوماسية مثلها مثل مصطلحات ( الاخلاق والضمير والعدل والحرية والصدق وغيرها).
تقييد حرية التعبير
حاولت عدة دول غربية ومن بينها فرنسا وألمانيا منع أي نوع من أنواع التضامن مع أهل غزة، من خلال محاولة ربط أي حراك شعبي بمساندة الإرهاب أو بمعادات السامية أو من خلال الاتهام باثارة المشاكل وممارسة العنف والتسبب بانقسام في المجتمع.
حيث يواجه المتضامنون مع الفلسطينيين في الغرب، الكثير من الترهيب ومن الاجراءات المقيدة لحرية التعبير. حتى وصل الأمر في بعض الدول مثل فرنسا الى حظر المظاهرات المتضامنة مع فلسطين والمنددة باسرائيل، على الرغم من السماح بمظاهرات مؤيدة لاسرائيل في بداية الحرب!
وزادت هذه القيود حول اعناق المتضامنين مع فلسطين من خلال اعتقال المتظاهرين الذين يضعون الكوفية الفلسطينية حول اعناقهم ويحملون الأعلام الفلسطينية اضافة الى فرض غرامة عليهم، حيث منعت المانيا رسميًا ارتداء الكوفية الفلسطينية في المدارس إضافة إلى منع رفع الأعلام والشعارات والملصقات بحجة انها تهدد السلام، مع ان ارتداء التلاميذ للكوفية جاء من أجل السلام ومن أجل وقف إطلاق النار ووقف حرب الإبادة ضد أهل غزة وانفاذ أطفال غزة، فالكوفية بنظر التلاميذ والمتضامين هي رمز إنساني قبل أن تكون رمزاً سياسياً.
أما في الولايات المتحدة فقد وصلت سياسة الترهيب الى الجامعات الامركية، فلم يسلم منها الطلاب ولا رؤوساء الجامعات، حيث قدمت رئيسة جامعة هارفارد استقالتها بعد حملة شرسة ضدها شارك فيها كبار صناع القرار في امريكا.
ولم تكن الأمور في أستراليا أفضل حالًا من غيرها، فقد حاول بعض السياسيون وبعض وسائل الإعلام تشويه صورة الحراك الملفت والمميز الذي قام به تلاميذ المدارس والذي تمثل بمظاهرات منددة بالعدوان على غزة ومطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، هذا الحراك الذي لم يعجب البعض رغم عفويته والذي كان على درجة عالية من الوعي والرقي، لم يكن ليحدث لو قام هؤلاء السياسيون بدورهم على الوجه الصحيح ولو قامت وسائل الإعلام بدورها الإنساني وحافظت على مهنيتها. لقد قام التلاميذ بما عجز عنه الكبار.
الإرهاب الإعلامي
سياسة تكميم الأفواه وتقييد الأقلام وإسكات الأصوات الذي مارسته بعض وسائل الإعلام الغربية على بعض موظفيها المتضامنين مع فلسطين وصل الى حد وضع القيود وممارسة الضغوط عليهم حيث تم طرد بعضهم من عملهم أو إجبارهم على الاستقالة، مثلما حصل مع رسام الكاريكاتير “ستيف بيل” الذي كان يعمل مع “ذا غارديان” البريطانية بعد قيامه برسم كاريكاتير لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي اعتبر أنّه “معاد للسامية”، والذي لم تشفع له 40 سنة من العمل في الصحيفة.
كما مارست بعض وسائل الاعلام الغربية الترهيب ضد ضيوفها المتضامنين مع أهل غزة من خلال محاولة فرض اجوبة عليهم تناقض الحقائق والوقائع على الارض.
لقد أعادت الدماء الزكية في غزة الروح والحياة الى جذور الفطرة الانسانية “السليمة والأصيلة” في دول الغرب، والشبيهة بجذور الشعب الفلسطيني الاصيل في أرضه، هذه الجذور شاهدناها تتحرك وتتمدد وتنمو على شكل وقفات ومظاهرات واعتصامات وتحركات في معظم مدن وعواصم الغرب، تتصارع مع البذور الهجينة التي لوثت تربتها المصالح وشوهت طبيعتها الأهواء والنزوات وقضت على إنسانيّتها السياسات القائمة على الظلم والكذب والجشع، وحولت شعار حقوق الانسان الى (عقوق الانسان)!
كل عام والانسانية بخير !