اخبار عكار والشمال

علي شندب يكتب في عروبة22: غزّة.. والإحراج الوجودي

الشمال نيوز  – عامر الشعار

غزّة.. و”الإحراج الوجودي

علي شندب

بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر المجيد، انطلق سُعار إسرائيلي، أمريكي، غربي محموم، يردّد بلسان جو بايدن وإيمانويل ماكرون وأولاف شولتس وريشي سوناك وغيرهم، فضلًا عن بنيامين نتنياهو وقادة الكيان المأزوم، لازمة واحدة من ثنائية تقول بـ”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.. وحماس منظمّة إرهابية”، وأخذوا يردّدون هذه الثنائية فوق كل المنابر العالمية والعربية.

سُعار يذكّرنا بأحداث 11 أيلول، وشعار جورج بوش يومها “من ليس معنا فهو ضدنا”، وكانت أفغانستان أول أهداف الحرب البوشية. ثمّ استهدف السُعار العراق بكذبتين، الأولى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، والثانية، علاقة مزعومة للعراق مع تنظيم “القاعدة” صاحب الملكية الفكرية لأحداث 11 أيلول. حجّتان كاذبتان بألسنة مطلقيهما وخصوصًا جنرال الخارجية الأمريكية كولن باول.

رغم أنّ وقائع 11 أيلول لم تثبت تورّط عراقي واحد بين المتهمين بتنفيذها، فقد كان القرار الأمريكي بغزو العراق، ويسجّل لفرنسا الشيراكية وقفتها المشهودة في نزع الشرعية عن الإحتلال الأمريكي للعراق، ما دفع دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي وقتذاك للحديث عن “أوروبا العجوز”.

من تلك اللحظة يحاول ساسة أوروبا باتحادهم وعملتهم الموحّدة نقض عبارة رامسفيلد، وعبثًا، إثبات قدرتها، تارة بقيادة نيكولا ساركوزي وطورًا بقيادة أنجيلا ميركل، ومؤخرًا بقيادة ماكرون الذي وفي سياق مزاحمة النفوذ على ليبيا بينه وبين رجب طيب اردوغان، أخذ يتحدث عن الموت السريري لحلف الناتو.

ثمّ كشفت الحرب الروسية الناتوية في اوكرانيا انقياد اوروبا خلف الولايات المتحدة في المواجهة مع روسيا البوتينية. تمامًا كما كشفت عن انقلاب باريس على دورها كعاصمة للأنوار إلى صدى لميكروفونات البيت الأبيض. فلم تُسعف فلسفة الأنوار تلك، إيمانويل ماكرون بابتداع عبارة جديدة، بدل ترديده كالببغاء في القاهرة لازمة بايدن ونتنياهو “لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها” و”حماس منظمة إرهابية”، وقد وصلت مزايدات ماكرون إلى السعي لتشكيل تحالف دولي للقضاء على “حماس”، أو بتضمين هذه المهمّة للتحالف الدولي لمواجهة “داعش”. وبانتهازية لافتة طلب من نظيره المصري عبدالفتّاح السيسي التعاون على مستوى ليبيا، حيث منابع النفط والغاز الذي منعته أساطيل اردوغان منهما شرقي المتوسط.

سبب هذا السُعار والاصطفاف الغربي الأعمى والمطلق وراء إسرائيل، أنّ “طوفان الأقصى” لم يثبت إخفاق أجهزة التنبؤ والمخابرات والاستخبارات ومراكز الدراسات المستقبلية الإسرائيلية فحسب، بل أثبت ووثّق ببصمة تاريخية نادرة فشل كل أجهزة هذا الاصطفاف الغربي، وشكّل إحراجًا وجوديًا لها. فاندفعت بنقل ترساناتها ومخازن أسلحتها وذخيرتها إلى الكيان المأزوم وأطلقت يده في ارتكاب المجازر وسفك دماء الأطفال والنساء والشيوخ، وفي تدمير الحجر والشجر قبل البشر.

حرب دار بعض معاركها في مجلس الأمن الدولي الذي يعيش لحظة استقطاب نووي تذكّر بأزمة الصواريخ الكوبية، فكان الفيتو المزدوج الصيني الروسي بالمرصاد لمشاريع أمريكا (المتضمّنة ثنائية حق إسرائيل، وتجريم حماس) التي استخدمت مع فرنسا وبريطانيا الفيتو إياه لمنع استصدار قرار ينصّ على وقف إطلاق النار، وليرسو الأمر حتى الآن على موقف أخلاقي غير ملزم للجمعية العامة للأمم المتحدة التي لم ينجو أمينها العام انطونيو غوتيريش من تنكيل “إسرائيل”، فقط لأنه قال بأنّ “هجوم حماس لم يأتِ من فراغ”.

لقد ظنّ بايدن وماكرون وسوناك وشولتس وغيرهم، أنّ بإمكان ماكينات الدعاية وغسل العقول تبليع شعوبهم، ترّهات نتنياهو وأكاذيب جنرالاته حول “تقطيع رؤوس الأطفال وقتل النساء” والمقصود هنا حصرًا، ما أصاب “ضباط وجنود فرقة غزّة قتلًا وأسرًا”، ولهذا اتفقوا على أنّ “حماس” هي “داعش”، بل تجاوزت “داعش”.

لكن سرعان ما انقلبت الصورة في العواصم والمدن الغربية، وأخذت المظاهرات التضامنية مع غزّة تبلغ الآفاق، وأخذ يتشكّل رأي عام عالمي وعربي وإسلامي حاضن لحقّ الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية. وقد تماهى بعض قادة الدول العربية والإسلامية مع السُعار الأمريكي الإسرائيلي الغربي فأخذوا يتحدثون عن “إدانة مزدوجة لقتل المدنيين”، بل إنّ بعضهم أدان “أعمال حماس الشنيعة والشريرة” كاستباق تبريري لإدانة قتل المدنيين.

وقد انساق الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وراء إدانة قتل المدنيين، واتخذ موقفًا حياديًا، دون أن يسمع لصوته صدى في واشنطن وتل أبيب، تزامنًا مع رواج أخبار عن إبلاغ أعضاء من قيادة “حماس” بمغادرة تركيا. وسرعان ما وجد اردوغان نفسه، في إحراج وجودي لزعامته الإسلامية السنيّة، فأطلق في سياق مزاحمة إيران موقفًا مستفزًّا لـ”إسرائيل” ناسفًا سرديتها، ومؤكدًا بأنّ “حماس ليست منظمة إرهابية”، بل أعلن عن “تحضيرات لإعلان إسرائيل مجرمة حرب”.

موقف اردوغان، دفع “إسرائيل” لاستدعاء طاقمها الدبلوماسي لمراجعة وتقييم العلاقات المتوترة مع أنقرة، والتي سبقها توتر مع واشنطن على خلفية استثنائها أنقره من “الممرّ الإقتصادي”، ما دفع اردوغان لاطلاق صرخة إعتراضية تحت عنوان “الممرّ، لن يمرّ دون تركيا”.

وخلال مظاهرة “لقاء فلسطين الكبير” في اسطنبول، سأل اردوغان الغرب “هل تريدون أن تشعلوا فتيل حرب بين الهلال والصليب من جديد؟ إن كنتم تريدون ذلك فإن هذه الأمّة لم تمت بعد.. وكما فعلناها في ليبيا وفي إقليم “قره باغ” فإننا نقولها اليوم بالنسبة للشرق الأوسط”. مضيفًا: “قد نأتي ذات ليلة على حين غرّة”، وعندما هتف الأتراك بشعارات “الجيش التركي إلى غزة”، ردّ اردوغان “سكّان غزة مستعدّون للدفاع عن وطنهم”.

إحراج وجودي أيضًا، ذاك الذي يلفّ “محور المقاومة” بقيادة إيران. ففي مقالنا السابق “الطوفان الاستباقي وخريطة نتنياهو” عرضنا لتحالف غربي مع “إسرائيل” يضمّ واشنطن وحلف الناتو وبعض الدول الأوروبية، ويقابله تحالف “محور المقاومة” بقيادة ايران. وإذا كان تحالف بايدن – نتنياهو – ماكرون.. قد كشف عن نواياه وأنيابه ومخالبه عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا، فما الذي فعله تحالف إيران؟

بداية فلنثبّت أنه سيكون لحرب غزّة تداعياتها الإقليمية والدولية على تضاريس خريطة الشرق الأوسط. فكما أنّ الولايات المتحدة لا تتحمّل تثبيت نتائج “طوفان الأقصى” بما يتضمّنه من هزيمة لـ”إسرائيل”، فإنّ “محور المقاومة” بقيادة إيران لا يتحمل غزو غزّة وسحق عظام المقاومة الفلسطينية وتحديدًا “كتائب القسّام”. إذن هناك طرفان لا يحتملان الهزيمة.

فالهزيمة بالنسبة للولايات المتحدة و”إسرائيل” تعني خروجًا من حلبة الشرق الأوسط الذي ما غادره بايدن لمواجهة الصين، إلّا بعد اطمئنانه إلى لعب “إسرئيل” دور شرطي المنطقة الفائق القوّة.

والهزيمة بالنسبة لإيران، تعني ابتلاعها لشعاراتها الرنّانة في “تدمير إسرائيل خلال 7 دقائق ونصف”، فضلًا عن انهيار قيمي لكل أذرعتها القائمة على مواجهة الشيطان الأكبر و”إسرائيل”.

خلال الأسبوع الأول من “الطوفان” كلّنا يذكر، كيف تنصّل المرشد الإيراني علي خامنئي من المسؤولية عن الطوفان، وكيف جال وزير خارجيته في المنطقة مكرّرًا أنّ “المنطقة ستنزلق لحرب إقليمية واسعة خلال ساعات إذا لم يتوقف إطلاق النار في غزّة”. في الأسبوع الرابع وجدنا عبداللهيان في منبر الأمم المتحدة أشبه بشريك مضارب في سوق مفاوضات حول إطلاق الأسرى الإسرائيليين، توازيًا مع تكرار التحذيرات الجوفاء.

ما فعلته إيران عبر أذرعها، أنّها رسّمت خطوط نفوذها بالنار من باب المندب والبحر الأحمر إلى لبنان مرورًا بسوريا والعراق مع توقف عند “قاعدة إسرائيلية” في جزيرة ارتيرية. نار أصابت بمُسيّراتها بعض القواعد الأمريكية في سوريا والعراق، ما دفع البنتاغون لإطلاق رسالة “دبلونارية” باتجاه “البوكمال” تقول “لا نريد توسيع رقعة الصراع”.

أكثر من يعيش حالة “الإحراج الوجودي” زعيم “حزب الله” قبل الحزب. صمت نصرالله أبلغ تعبير عن هذا الإحراج. ورغم الإشغال والإشتباك المتدرّج مع العدو جنوبي لبنان، فنصرالله هو من استعرض إحداثيات وخرائط المواقع “الاسرائيلية” الحسّاسة وادّعى القدرة على تدميرها بالصواريخ الدقيقة، وهو الذي تحدّث عن “مئة ألف مقاتل لو أشير إليهم على الجبال لأزالوها”، وهو الذي هتفت باسمه الجماهير المصرية بالأمس مطالبةً بدخوله المعركة. ونتيجة لظروف لبنان وضغوطه الهائلة التي تعيقه، والأهم القيود الايرانية التي تكبّله، ورغم تمييزه لشهدائه بعبارة “على طريق القدس” إلّا أنّه أكثر من يعاني الإحراج الوجودي سيّما وأنه يعلم بأنّ نجاح العدوان على غزّة إذا ما حصل، سيجعله وحزبه الهدف التالي.

في لحظة الإحراج الوجودي، الانتصار لغزّة بات محلّ منافسة بين إيران وتركيا. أمّا العرب العاجزون عن إدخال خزان وقود وعلبة دواء إلى القطاع، فخارج هذا السباق، لكنهم يتنافسون على لعب بعض أدوار البطولة أو الكومبارس في عملية تبادل الأسرى وتبييض السجون من آلآف الأسرى الفلسطينيين التي أعلنت “كتائب القسّام” استعدادها لإبرامها، تزامنًا مع ضغوط ذوي “الأسرى الاسرائيليين” لإتمام صفقة التبادل تحت شعار “كلن مقابل كلن”.

أخيراً، قال محمود درويش: “إذا سألوك عن غزّة. قل لهم: بها شهيد، يسعفه شهيد، ويصوّره شهيد، ويودّعه شهيد، ويصلّي عليه شهيد”.

وما زال عزف الصواريخ مستمرًا..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى