الأمة كلها قضية l المحامي عبدالله الحموي
الشمال نيوز – عامر الشعار
الأمة كلها قضية l المحامي عبدالله الحموي

يقول أحد المفكرين الفرنسيين خلال فترة ستينيات القرن الماضي : ” للعرب نوعان من الأفيون : أول إسمه “عبد الناصر” وثان إسمه ” أم كلثوم “. لم يكن اجتماع هذين الطرفين محض صدفة، إذ يدرك الطغاة أهمية البلاغة في مجتمعنا العربي من حيث تشكيلها لأبرز مقومات العمل السياسي . وليس من المبالغة القول أن الفن ، وعلى رأسه الغناء ، قد سبق القمع والترهيب في تركيز دعائم ظلم حاكم حرَص على تكريمه وإيلائه أهمية قصوى أثناء الملمات نتيجة قدرة سحر البيان في استمالة وامتصاص نقمة شعوب كان من أثر تخدرها بأمجاد عفى عنها الزمن أن ركنت للنوم والصحو على أحلام الوحدة والإنتصارات . لهذا تصاعدت وتيرة الإنتاج الفني، وفي مقدمه الغناء، تزامنا مع كل إنحدار سياسي أو عسكري حيث حكم المفهومين علاقة تلازم طردي . إن كانت الهزيمة قد بانت في حزيران عام 1967 لكنها سبقت هذا التاريخ بكثير. جل ما في الأمر أن هولها كان أفظع من أن تطاله أيادي الطمس أو تحجبه زخرفة التبريرات .لهذا حين أنشدت” فيروز” أغنية “زهرة المدائن” إثر النكسة بشهر واحد ، تكفلت عبارة ” الغضب الساطع آت” بتسكين نفس كل فرد شعر بمرارة الهزيمة دون أن يؤبه المسكين بأن الحاكم رفع عن نفسه تبعات التهور في بلاد لم يتسع صدرها يوما لمصطلح مساءلة المسؤول قبل الحاكم في أعلى الهرم .
لم يتنبه المستمع حينها الى فخ الإيحاءات الضمنية الواردة ضمن كلمات الأغنية والمتمثلة بعبارة : ” عيوننا إليك ترحل كل يوم ” لأنه لو فعل لكشف له ما بين السطور نوايا الحكام والمتمثلة بالمقولة الشعبية “العين بصيرة واليد قصيرة ” ولأكتشف أن حماسته في ترداد الأغنية وأغان كرت بها سبحة الإستخفاف بعقول الشعوب , تبقى في غير محلها ولا تتجاوز صرخة في واد, لكنها تضعه في الموضع الذي خصصه الحاكم للمحكوم.
لست بعيدة ايتها ” القدس” , لكنها شعارات جوفاء وأغان حلت محل العمل الجاد أماتت نخوة هذا الجيل وما قبله, فجعلك أبعد بقاع الأرض .فمذ تفتح أعيننا وشعار ” يا قدس إنا قادمون” لا يفارق الآذان والوجدان والى الآن لم نصل . وكيف نفعل ونحن ندور حول حلقة مفرغة ؟؟ رغم أن من سمي ” العندليب الأسمر ” وأبواق أخرى كثيرة تلته في النعيق ظلوا متمسكين بمقولة ” إنتصرنا ” تمسكه بزعم أنه “… يتنفس تحت الماء” . بل أن ” الإنتصارات” التي تشدق بها وامثاله تتوالى علينا تزامنا مع كل هزيمة حتى اختلط الأمر على العاقل فعجز عن التمييز بين المفهومين المتضادين لولا وجود سلطة تمارس هيبة ” الإقناع ” . قد صرت الآن ، يا ” قدس” ، ابعد بكثير لأنك وإن كنت القضية فقد بين تآمر أنظمتنا على الشعوب أنك مجرد ثمن مناصب بل أنك قضية هامشية.
ما أبعدك أيتها ” القدس”.. ببعد نخوة صرنا نشتهيها من أيام الجاهلية. أتذكرين يوم خرج تافه بشعار ” طريق القدس تمر عبر جونية ” ؟؟ حثالة باع وزعيمه قضية شعب فأضاعها زبانيتهم بين مواخير ” الزيتونة” و” الحمراء” إن كان بعض أبنائك تاجروا ويتاجرون ، بك أمن المستغرب أن يفعل الأمر سواهم.؟؟. ستظلين شعارا تستمد الأنظمة من خلال المتاجرة به شرعية ظلمها وجبروتها . وستقام المهرجانات والإحتفالات تضامنا معك بالإغنية تلو الأخرى وربما تهز الراقصات خواصرهن على أنغام أغنيتي ” زهرة المدائن ” و ” انتصرنا “. لك الله يا قدس، لن ترحل عيوننا اليك ففي إنكسار الأخيرة ما يخجلها أن تفعل . ما ابعدك أيتها ” القدس ” ، قد صارت الطريق اليك تمر عبر “دمشق” و ” بيروت ” و ” بغداد” و”صنعاء” و” طرابلس الغرب” … إذ تبين أنك لست قضية الأمة بل أن الأمة كلها قضية .