حقل قانا وهمي ولا أحد يعرف ما يحتويه
.. صراعاتٌ في تل أبيب وبيروت تُعلّق الترسيم البحري

الشمال نيوز – عامر الشعار
“حقل قانا وهمي ولا أحد يعرف ما يحتويه”
صراعاتٌ في تل أبيب وبيروت “تُعلّق” الترسيم البحري
رائد الخطيب_ رئيس تحرير الرائد نيوز

ما يزال الغموض يكتنف المفاوضات التي يجريها لبنان مع العدو الإسرائيلي برعاية الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، الذي يقوم بجولات مكوكية بين بيروت وتل أبيب، لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، ولكن السؤال الذي يُطرح: هل حقق لبنان فعلياً تقدماً في المسار التفاوضي، أم ما تزال المطبات التي دخلت على موضوع الترسيم البحري، قائمة، سواء من الجانب الإسرائيلي أو الجانب اللبناني، والإصرار المتبادل على أحقية كل طرف بالمناطق المتداخلة.
المبعوث الأميركي هوكشتاين كان موجوداً في إسرائيل، قبل يومين بحسب وسائل الإعلام، وهو يتابع ملف ترسيم الحدود.
وتكشف مصادر سياسية مطلعة للإعلام ، أنّ هوكشتاين، إبَّان زيارته الأخيرة للبنان، بعث برسائل تحذير إلى حزب الله، من مغبة الإقدام على أي خطوة متهورة نظراً لخطورة المرحلة ووجوب تجنب أي استفزاز عشية الانتخابات الاسرائيلية.
اذ في حال استمر الحزب في التصعيد، فإن حكومة يائير لابيد لن تبقى مكتوفة الأيدي إنما ستصعد لاعتبارات انتخابية قد تفضي إلى توتر ومواجهات واسعة لن تقتصر مفاعيلها على رد محدود. وتذكّر المصادر بسلسلة تحذيرات أصدرها وزراء في الحكومة الاسرائيلية للحزب، منهم افيغدور ليبرمان الذي أعلن أن حزب الله إن قام بأي مغامرة عسكرية ضد كاريش، فإن اسرائيل سترد بعنف و”ستدمّر الضاحية الجنوبية “. وهذا ما كان، تضيف المصادر، اذ لم تخرج ممارسات حزب الله على رغم كل ما جرى من إطار التصعيد الكلامي والمواقف، ليس إلا!
الملف النفطي يديره أبو صعب
ثمّة عتب لبناني داخلي، على تحويل هذا الملف برمته من هيئة إدارة القطاع البترولي، إلى يد نائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب، وهذا ما يمكن ملامستهُ من خلال تفويض الموضوع النفطي إلى بوصعب، باعتباره المخوّل الأوحد للتحدث عن موضوع الترسيم البحري مع الكيان الإسرائيلي.
ولكن، في الكواليس غير البعيدة من هذا الملف الشائك، ثمة همسٌ لكبار المحللين النفطيين في لبنان، من أنّ المفاوضات قد تودي بنا إلى انفجار أو انفراج، ومفتاح الحل السحري بالنسبة إلى لبنان، هو النهايات السعيدة التي يأملها لبنان، من خلال إنهاء موضوع الترسيم البحري، بشكلٍ يريحه.
لا يبدو الطرف الآخر أي الإسرائيلي مستعجلاً، كما هي حالة نهاية عدّ الطرقات All the final countdown، بالنسبة للعهد في لبنان، والذي يريد نهايات سعيدة ومحو ٦ سنوات من الذل والمهانة التي طالت الشعب اللبناني، في منتصف طريق العهد، أي منذ تشرين الأول ٢٠١٩، حيث انتهى لبنان فعلياً مع أسوأ أزمة اقتصادية في العالم في القرنين ٢٠ و٢١، والشيء الوحيد الذي يمكنه ردّ ماء الوجه هو انتشال النفط والغاز، لانتشال اللبنانيين من القعر، بعدما طارت الودائع والمدخرات، وإلى الآن لم يفعل لبنان شيئاً سوى الصلاة لإنهاء الملف النفطي سريعاً، والبناء على أساسه للخروج من الأزمة، وإلا فإن لقب الدولة الفاشلة الذي بات يتصدر التقارير الدولية والأممية حول لبنان، سيكون جزءاً من حالة الانهيار الدراماتيكي والمتسارع لدولة لبنان الكبير التي أنشئت في العام ١٩٢٠.
يعتقد مصدر رسمي، أنّ لبنان ولأول مرة، يشعر بجدية تجاه موضوع الترسيم الحدودي، “ولكن نحن نعاني من النكنكات والمنغصات الداخلية”، كما يقول المصدر، خصوصاً وأنّ الملف النفطي كثيرون يريدون التدخل فيه، لقطف الثمار ولو قبل أوان نضجها.
هل اقتربنا من ترسيم حدودنا البحرية؟
“كل التصريحات الأخيرة التي نشهدها في الإعلام تقول: إنَّ الترسيم أصبح قريباً؟ ولكن هل سيحصل لبنان على حقه عبر الخط ٢٣ وحقل قانا كاملًا كما تم الإعلان عن هذا الأمر عبر الدولة اللبنانية منذ أيام، أم هناك تغيّرات؟”. يقول مسؤول سياسي لبناني يتابع باهتمام مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
يضيف المسؤول الذي يفضّل أن يبقى اسمه بعيداً عن الإعلام “الأهم من ذلك هل سيكون الخط ٢٣ وحقل قانا هي الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، ام الاتفاق سيكون موقتاً يتيح تقاسم حقول الغاز، ليُسمح للطرفين بالاستفادة من الثروات الطبيعية في مرحلة يتصارع فيها الجميع على الطاقة؟”.
“الجواب النهائي لم يأتِ من جانب إسرائيل، وبالتالي هناك احتمالان المناورة، وخصوصاً، أن هناك صراع داخلي في اسرائيل. لبنان يفاوض على خطوط وحقول ولا أحد يجزم ماهي كميات الغاز الموجودة، أما إسرائيل استكشفت وجاهزة لاستخراج الغاز من حقل كاريش”.
يعرجُ المسؤول السياسي، إلى موضوع حزب الله الذي يتحكم عن بُعد controls the issue from a distance، ولكن الحزبَ اضطرَّ مباشرة إلى التدخل والضغط في الموضوع النفطي، “حزب الله وجه رسائل للداخل والخارج عبر المسيرات غير المسلحة، هذه المسيّرات كانت عبارة عن رسالة واضحة أن الحزب يملك قرار الحسم، ولكن من وراء الستارة التي تمثلها الحكومة اللبنانية، فالحزب يدرك أن الحل في لبنان يبدأ بترسيم الحدود البحرية وانعاش المجتمع اللبناني من الضائقة الاقتصادية التي يعيشها لبنان”.
الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، لم يخفِ هذا التدخل، بل أراد إظهاره حين قال قبل شهر من الآن: “في ضوء نتائج المفاوضات سيقرر حزب الله كيف سيتصرف في المستقبل”.
والآن، تترقب الاوساط السياسية مواقف ينتظر ان يعلنها السيّد نصرالله في ختام مسيرة العاشر من محرّم في ضاحية بيروت الجنوبية، والتي يتوقع ان يتطرّق في جانب منها الى ملف ترسيم الحدود البحرية، وهو كان قد أمل حتى أيلول أنه سيُبَت بهذا الملف في ضوء ما يُشاع من ايجابيات حول امكان التوصل الى اتفاق في شأنه قريباً.
وفي سياق متصل، قال رئيس معهد أبحاث الأمن القومي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين إنّ “حزب الله” اللبناني سيفكر مرتين في أي مواجهة، وسيفكر في قضية منصة كاريش خصوصاً بعد العملية العسكرية ضد قطاع غزة.
واضاف يادلين في تصريح للاذاعة الاسرائيلية “انّ أهداف العملية التي اطلقت عليها اسرائيل اسم “الفجر الصادق” كانت محدودة، ونتائجها حققت زيادة وقوة للردع الإسرائيلي”.
واشار إلى أن نصرالله «ينظر ويرى دقة المخابرات الإسرائيلية في معرفة اماكن اختباء القادة، وان إسرائيل تعرف أيضا كيفية ربط النيران بدقة”. وقال: “حزب الله” عليه ان يفكر مرتين وان يستخلص النتائج الذي رآها في العملية الاخيرة كرادعٍ له في قضية الحدود البحرية الجنوبية”، وفق صحيفة “معاريف” العبرية. وشدّد يادلين على أن «اسرائيل ستتعامل بقوة مع “حزب الله” أكثر من تعاملها مع الجهاد الاسلامي”.
هل نحنُ فعلياً أمام انعطافة تاريخية؟
نحن الآن أمام فرضة تاريخية لرسم الخط الفاصل وتقاسم الثروات في أعماق البحار، ولكن السؤال الأهم هو الاعتراف الدولي ورفع الفيتو غير المعلن عن الشركات المتخصصة باستكمال عملية الاستكشاف والتنقيب والحفر واستخراج الغاز الذي يتطلب وقتاً.
“التحدي الثاني اذا حصل الاتفاق وعثر لبنان على كميات من الغاز كيف سيستفيد منها، مع العلم أنه لا يملك تقنيات لتسهيل استخراج الغار ونقله عبر البواخر وتصديره وبيعه ولا امكانية لإنشاء خط غاز اقليمي يجمعنا مع إسرائيل، ونحن نرفض التطبيع جملةً وتفصيلًا بينما نرى المشاريع الاقتصادية وربط حقول النفط بشرق المتوسط ونقلها لأوروبا لمواجهة أزمة الغاز الروسي. فهل نشهد احتمال فصل الاقتصاد عن السياسة؟ كل شيء وارد ولا داعي لأن نتفاجأ”، يختم المسؤول السياسي مطالعته حول موضوع الترسيم البحري.
تأخرنا!!
“بالنسبة لموضوع ترسيم الحدود، من الأساس نحن تأخرنا كدولة لبنانية نظرًا لقصر النظر وسوء الإدارة، والذي كان يجب أن يُبَتَّ فيه منذ عام ٢٠١٠ عندما بدأت إسرائيل تتفاوض مع قبرص وأن يدخلوا في اتفاق بينهم فإسرائيل دخلت من النقطة ٢٣ الى النقطة ١ بالنسبة للحدود البحرية الجنوبية أي نقطة التلاقي بين المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية الاسرائيلية اللبنانية التي نسميها النقطة ٢٣ والتي اعتبرتها إسرائيل وقبرص النقطة ١ منذ عام ٢٠١٠، ولم نحرّك نحن ساكنًا”. يقول الخبير الدكتور في الهندسة البترولية ربيع ياغي.
يضيف “اذا لم تكون هناك حدود واحداثيات واضحة للبلوكات فلا دولة أجنبية سترمي ملايينها للاستثمارات، لأنها تحتاج مناخًا آمنًا لممارسة نشاطاتها من استكشاف وحفر وتنقيب، وكل ذلك يحتاج حدوداً معترفٌ بها ومتفقٌ عليها ومسجلة في الأمم المتحدة، وإلا فلا أحد مستعد للمغامرة في مناطق متنازع عليها، بينما كان نحن مشغولون بالتخبط السياسي وعدم وضوح الرؤية فاستغلت إسرائيل هذه الظروف وكثفت من انشطتها النفطية بشمال فلسطين بحرًا وكانت النتيجة اكتشافات متتالية حيث أن ٩٠ في المئة من اكتشافات إسرائيل للغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة تقع شمال فلسطين بالتالي متاخمة لجنوب لبنان”.
“وبرأيي كخبير بالمسوحات الجيولوجية هناك كميات واعدة من النفط في البلوكات ٨-٩-١٠، جنوبًا، ومكامن مشتركة متداخلة من جنوب لبنان لشمال فلسطين والعكس صحيح لذلك فعملية الترسيم لاشك أنها ستكون دقيقة لكن حقنا الشرعي والقانوني وحسب الأنظمة الدولية المتعارف عليها فالخط ٢٣ هو الخط الفاصل ما بين الحدود اللبنانية_ الاسرائيلية بحرًا وبالتالي لا يجب التنازل عن الخط ٢٣”.
“في الوقت الراهن الوقت ضدنا وضد إسرائيل لأنها انتهت من عمليات الاستكشاف وتطوير الحقول المكتشفة ومن ضمنها كاريش وتانين وبنفس الوقت الإنشاءات البترولية من منصات وبواخر عائمة ومراكز تجميع ثم مد خطوط جنوب حيفا لتباشر بالانتاج التجاريّ في الأول من أيلول”.
يلفت الخبير النفطي الذي كان مستشاراً في مجلس النواب “لغاية اليوم عدونا بدأ بالتصدير ونحن لم نبدأ بالاستكشاف، وبالنسبة للحدود ممنوع التراجع عن الخط ٢٣ لأنها حق لنا وكانت حدود اسرائيل البحرية ما قبل اتفاق قبرص ورسومات الخط الخاصة بها تعتمد الخط ٢٣، ولكنها امتدت للخط ١”.
“حقل قانا هو حقل وهمي اي افتراضي كون الحقل يعني وجود آبار نفطية بمنطقة جغرافية عندها فقط يسمى حقلًا، لكن لا اكتشافات ولا مكامن مؤكدة لدينا، هل لدينا القدرة التقنية على التفاوض؟” يختم ياغي “تنتظرنا أيام صعبة”.