طرابلس تقتلُ مبدعيها باحترافية PERFECT MURDER محمد المير يطل كشعاعٍ فوق المدينة ويستوطن كندا

الشمال نيوز – عامر الشعار
طرابلس تقتلُ مبدعيها باحترافية PERFECT MURDER محمد المير يطل كشعاعٍ فوق المدينة ويستوطن كندا


/زائدة الدندشي_الرائد نيوز/
استطاعت سياسات التهميش التي اتبعتها الدولة تجاه طرابلس، تحويلها من مدينة للعلمِ والعلماء إلى مدينةٍ للفقرِ والفقراء، مدينة تحاول قتلَ مبدعيها، بطريقة احترافية وذكية، القتلُ يبدأ من التهميش والاهمال، وبحفلاتِ تكريم كاذبة، غالباً ما يتلقى المُكرّم مكالمة هاتفية من السياسي، وتنشر المكالمة على وسائل الإعلام والتواصل، ثمّ يأتون بالمبدع ليأخذ صورة مع الزعيم، تقام حفلة وينالُ المبدع درعاً، ثمّ كأنّ شيئاً لم يكن، المبدعون في مدينة الفقر والفقراء يقولون: يا ليتني ولدتُ قبل هذا وكنت نسياً منسياً!!!
بنهايةِ القرن ال17 زار الرحالة عبد القادر النابلسي طرابلس، فوجد فيها ما يزيد عن 360 مدرسة وجامعة وزاوية وتكية، لذلك لقبت بمدينة العلم والعلماء، وتخرج فيها الكثير من الكتاب والشعراء والمحدثين وغيرهم عبر العصور.
نحن الآن، في الشطر الأول من القرن 21، طرابلس حاضنة للفقر التعليمي والابداعي، صحيح أن مباني الجامعات تسرُّ الناظرين، ولكنها فارغة من جودة التعليم، فارغة من العلماء، ولا منحى اجتهادي او انتفاضة ثقافية، العوام تغلب ثقافتهم على كل شيء، المدينة تريّفَت مع أهل الريف الذين نزلوا اليها، بسبب أوضاع الريف الكئيبة، كان على المدينة أن تمدّنَ أهل الريف، ولكن كافٍ أن نزور حارات المدينة فهي قاعاً صفصفاً من الثقافة والعلماء، الثقافة باتت مثل القطاع الخاص، هي لأهل الخاصة ولا تحمل أية بذور تغيير مجتمعي، تطغى التفاهات على كل شيء، وتطغى الولاءات السياسية السطحية، على ما عداها من ولاءات ذات بعد أعمق، التطوير والتحديث، لاستعادة نبض الحياة إلى المدينة، التي تشكو من موات حضاري، ليس كافياً توقيعات كتب الشعر الرديئة المعنى والمبنى، ولا تجدي الروايات غير المفهومة، في بعثِ الحياة من جديد إلى طرابلس.
تسلل محمد المير، من بين براثنِ الظلام فوق المدينة، كشعاعٍ أمل جديد، أطلِّ فوق سماء طرابلس، ولكنّ ماذا يفعل شعاع بسيط في كومةِ الظلام، فولّى وجهه شطر كندا، الدول التي تحترم الأذكياء، ثم نسألُ لماذا نتخلف عن الركب الحضاري؟!
الشاب الطرابلسي محمد المير أول عربي يفوز بإحدى المراتب الثلاثة الأولى، خلال الشهر الجاري، في مسابقة كأس العالم في الحسابات الذهنية لكافة الأعمار، في مدينة Padeborn الألمانية، وهي ليست المرة الأولى التي ينال فيها جوائز دولية في هذا المجال، ولن يكون الأخير.
كانت المنافسة شديدة حيث كنا ٣٥ مشاركًا بيننا ٤ من الدول العربية، والمميز في هذه المسابقة كونها تضم أشخاصًا من مختلف الأعمار فأساتذتي كانوا من ضمن المتنافسين.
كان محمد من بين الثلاثة الأوائل العرب، الذين فازوا بهذه المسابقة، وذلك أمر مهم لتطوير هذا المجال في العالم العربي، ويقول “كما هنالك أناسٌ متميّزون بالرَّسم، والتمثيل، والكتابة وغيرها الكثير فمن الضروري أن يكون هذا التميز موجودًا في كافة المجالات ومن ضمنها الحساب الذهني والعالم العربي بالتأكيد مليء بالمواهب التي يجب أن يُسلط الضوء عليها لتكون سببًا في نهضة أي بلد”.
يرى محمد من الزاوية التي جلسنا بها، في مقهى صحصح بشارع عزمي الشهير وسط المدينة، أنّ الحياة جميلة في طرابلس رغم كل شيء بعكس الحياة الباردة في كندا، عزمي بك عين واليًا في بيرو، ليخلف الوالي السابق بكر سامي بك، وقد كان عزمي بك يشغل سابقًا منصب متصرف لواء طرابلس، وأصدر أوامره بشق شارعٍ رئيسيً يربط بين المدينة والميناء، وقبل ذلك كان مديرًا للشرطة في إسطنبول.
ولكنهُ عاتبٌ جداً على الدولة، فمحمد لا يقول عن نفسهِ أنه عبقري، بل يراه الناس بهذه الصفة، وكذلك الدول التي يخوض بها مسابقات الحسابات الذهنية.
“كان من المفروض أنني حصلت على منحة من الدولة لكنها لم تُنفَّذ على الرغم من أن القرار صدر منذ ٨ سنوات، كان الرئيس نجيب ميقاتي يُسدد أقساطي المدرسية، كوني كنت طالبًا في مجمع العزم وهو الآن يسدد الأقساط الخاصة بأختي”. يقول محمد بحسرةٍ نعم الدولة في ٢٠١٤ خانتني، ولكن ما نفع الآن إن تم إقرار المنحة.
يجد العبقري الشاب، الذي تبدو على سماتهِ التقى والورع، أن لا شيء يمنعهُ من تشجيع افتتاح مدرسة للحساب الذهني مستقبلًا “من الممكن طيعًا وبحكم تجربتي وموهبتي في هذا المجال على ألا يكون الشيء الرئيسي الذي أطمح له أو التخصص الذي أنوي دراسته”.
قبل أقل من أسبوع وصلَ محمد إلى طرابلس، لولا ال”سوشيل ميديا”، ما انتبهَ أحد، الدولة في اجازة طويلة، الدولة تتعاطى السياسة مثل الحشيشة والكوكايين، موجودة لكنها غائبة. والإعلام اللبناني كذلك غائب عن تسليط الأضواء على العباقرة، ينتظرون تغريدة السياسي مهما كانت في القعر لتتصدر مقدمات نشرات الأخبار.
يروي محمد المير بداياته، مع الحساب الذهني واكتشاف موهبته، “منذ الصغر لاحظ والدي علامات غريبة في سلوكي كوني أحفظ بسرعة كبيرة وخاصة بمسألة الحساب ولكن طبعًا بأمور بسيطة بدايةً، كما أن إحدى أقاربي قامت ذات يومٍ باستعراضٍ ذهني يتعلق بالحسابات أمامي، كنت منبهرًا ومتحمسًا وقررت أن أشارك في هذا المجال وقد ربحت فعلًا عددًا من الجوائز المحلية وفي عام ٢٠١٤ كانت أول مسابقة دولية لي وفزت ببطولة العالم للناشئين ٥ مرّات، أما هذه المسابقة فكانت تحت عنوان كأس العالم لجميع الأعمار”، ويضيف أنه قام بتطوير موهبته “من خلال التدريب المُركَّز وقد ساعدني بعض الأصدقاء حيث كانوا يطبعون المسابقة ونقوم بتغيير الأرقام وحلها، بدل أنا نكتبها على أيدينا حيث نقوم بتجزئة المشكلة وحل كل قسم على حدىً فمثلًا إذا كان هنالك مسألة تتضمن حساب الوقت بالثواني والدقائق من اليوم الفلاني الساعة الفلانية إلى اليوم الفلاني والساعة الفلانية فيجب أن أعلم كيف أحول الساعات إلى ثوانٍ ، والأيام إلى ثوانٍ فأقوم بكل واحدة على حدى ومن ثمة أقوم بحلها مجتمعةً.
العبقري الذي عرفته المدينة صغيراً، بات الآن سنة ثانية في جامعة كندية، يتخصص بدراسة البرمجة وعلم الحاسوب، و”أعتقد أنه من المبكر التفكير بذلك وبكن مثلًا يمكنني وفق دراستي أن أعمل مبرمجًا خاصًا لمستشفى عن طريق وضع نظام خاص بالمخابر والعمليات أو في شركة خاصة بالحواسيب، أو الهندسة فهذا المجال مجالٌ واسعٌ ومتعدد الاهتمامات والاختصاصات”.
ويدعو محمد جيل الشباب الطرابلسي، إلى السعي “وراء الموهبة التي منحهم إياه الله والعمل على تطوريها، واستغلالها بشكل جيد سليم يفيد المجتمع والمدينة ولا يمسها بسوء فهناك الكثير من الأشخاص الذين يسخرون ذكاءهم في أشياء مؤذية ومدمرة كالمخدرات وغيرها، وألا ينظروا مساعدة أحد من السياسيين بل فليسعوا بجهدهم، وليتقنوا ويحبوا ما يعملونه ليكونوا سببًا في نهضة المدينة عن طريق استقراء لسوق هذه المدينة والبحث عما تحتاجه من اختصاصات تدعم سوق العمل”.
يرى محمد المير، الشهرة أمراً جميلاً “وفتحت أمامي عدة أبواب ولكن في نفس الوقت مسؤولية كبيرة على عاتقي فأي خطأ هو مكلفٌ”.
محمد سيختار زوجته مستقبلاً وفقاً لمعيار الوعي والمسؤولية “أحب أن تكون واعية ومسؤولة وذكية”.