ماذا لو قالت الدولة: إنني عاجزة
أي كهرباء يريدها الطرابلسيون ومِنْ مَنْ ؟

رائد الخطيب_رئيس تحرير موقع الرائد نيوز
استقالت الدولة من وظيفتها، فاستقالت بدورها أهم المؤسسات من الدور الذي عليها أن تؤديه، وفي طليعتها الكهرباء الرسمية، ماذا تعني مؤسسة الكهرباء اذا لم ينوجد بخزاناتها الفيول والديزل أويل، وماذا يعني أن نحارب مولدات الكهرباء الخاصة، دون خطة بديلة ترقى إلى مستوى تخفيف الآلام عن فقراء المدينة الذين هم إلى اتساع، 150 دولاراً هي تكلفة الاشتراك الشهري في المولد الخاص، أي ما يعادل 4.440.000 ملايين ليرة، مقابل 11 ساعة يومياً، والأهم مقابل حد أدنى للأجور وكامل المعاش للموظف في القطاع الرسمي، أمّا منسوب الفقراء الذي يغطي كافة أحياء المدينة، فمن المؤكد أنهم انحدروا إلى 1و 2 و3 أمبيرات، ومنهم من قضى وطرَهُ بالشمع، أو بالماعون الكهربائي من جاره، من خلال مد سلك لاضاءة “لمبة”، أو أنهُ لم يقضِ وطرهُ فنام على العتمةِ المتدحرجة من ساعات الغروب الأولى، وحدهم أصحاب الشاليهات في ضواحي المدينة للجهة الجنوبية بامكانهم التمتع قسريّاً بالكهرباء الباهظة الثمن، لكنهم الأقلية.
صيحات تغيير في مهب الريح
ارتفعت الصيحات التغييرية، مع وصول رامي فنج وكريم كبارة إلى السدة النيابية، وربما جاء الحراك الكهربائي النيابي الأخير، تأثراً بما أقدم عليه النائب “الناصري” في صيدا أسامة سعد، الذي طاردهم قانونياً، والأهم تلك الصورة المخزية لأصحاب المولدات وهم مكبلين بالأصفاد، ولكن عاد هؤلاء إلى تصفية الحسابات باطفاء المولدات، وهذا ما هو متوقع أن يحدث بطرابلس مع رفع كتاب من النائب فنج إلى القضاء المختص، لمحاسبة أصحاب المولدات، والذي سرعان ما التفّ حوله نواب المدينة، فيما يلزم الجميع الصمت بمن فيهم القادة الاقتصاديون في المدينة وكذلك قيادات الرأي العام، ربما لعلمهم المسبق بأنَّ الخوض مع تكتل أصحاب المولدات الجارح، لن يجدي نفعاً بل سيعقِّد الأمور، وبدلاً من أن يتضامنَ الرأي العام مع الحراك النيابي، سيتضامنون مع التكتل الكهربائي الذي بامكانه أن يُصدرَ “فرمانات” بالقطع، أي ممارسة العقوبات الجماعية ضد شعبٍ أعزل كهربائياً، والأهم أنّ التكتل يتمتع بقوة ميدانية تتألف من مئات الشبان التابعين بصفة موظفين وحرّاس وجباة لأصحاب المولدات، والأهم الدعم “السياسي” و”الأمني” الذي يتلقاهُ هؤلاء، هم الآن مؤسسة الكهرباء غير الرسمية، ويكادُ هؤلاء يتفوقون انتاجاً على المؤسسة الرسمية، من المؤكد أنهم ينتجون أكثر من 3000 ميغاوات يحتاجها لبنان (مع النازحين السوريين واللاجئين الفلسطنيين)، الكهرباء التي كلفت الدولة أكثر من ثلثي الدين العام، هي كهرباء عاقرة، تأخذ ولا تعطي، ومن الصعب أن تنجِبْ.
البهورة شيء والواقع شيء آخر
مجلس بلدية طرابلس، الذي يعيش ساعاتهِ الأخيرة مع الدكتور رياض يمق، لم يقوَ يوماً على طرح بدائل مقنعة، بل جل ما قضاه بعد عزل الرئيس الأسبق احمد قمر الدين، الوقوف على رجلٍ واحدة، والأهم هو المنعطفات الخطيرة بين يمق ومحافظ طرابلس والشمال رمزي نهرا، الذي لا يكنُّ له أهل المدينة الود، كثيرون في المدينة يعتبرون أن المجلس البلدي وبسبب المناكفات الشرسة بين الأعضاء، أتاحت للمحافظ بفرض رأيه والتدخل المباشر في موضوع البلدية، ويعتبرونَ أن أصحاب المولدات يجدونَ ملاذاً آمناً لدى السراي، ولذلك البلدية لم تستطع حتى التنسيق في اهم موضوع حيوي، وهو الكهرباء، كافٍ مشهد إحراق المبنى البلدي، والسؤال أين عديد الشرطة الذي يفوق ال300 عنصر، تضاربت المسؤوليات وضاعت الطاسة، لكنّ مبنى البلدية احترق، وإلى الآن ما يزال الدكتور يمق يستقبل ويودع ويدلي بتصاريح، تذكر بحالة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في اطلالاته الشهيرة من مقر الرئاسة المدمر في مقاطعة رام الله، ولكن ثمة فارق بين خضوع رام الله للهيمنة الاسرائيلية، وخضوع طرابلس للسلطة اللبنانية، التي لم تأبه للمبنى المحترق في العاصمة الثانية!!
القانون ٤٦٢ حلاً لكن!!!
عَودٌ على بدء، ماذا لو نجح نواب طرابلس في فرض شروطٍ يعتبرها أصحاب المولدات “قسرية وقاهرة”، وكان الحل إطفاء مولداتهم، كيف سينعمُ الطرابلسيون في الحرِّ والقر، بالكهرباء؟!.
بالتأكيد ستكون العتمة الشاملة على مساحة ٢٢ ساعة في اليوم، بفقدان البديل الرسمي او البلدي، حيث أنّ أي خطة كهرباء في لبنان، لا تبدأ عملياً بانتقال ملكية مولدات الأحياء الى البلديات مصيرها الفشل، هذا الانتقال يضمن وصول الكهرباء 24 على 24 بأقل تكلفة ممكنة، وهذا يجب أن يحوز على موافقة وزارة الداخلية والبلديات، ولكن في حال عدم وجود بلدية ما الحل؟، لقد أوجد القانون ٤٦٢/٢٠٠٢ حلولاً، بيد انّ القدرة على تنفيذها تتطلب تفاوضاً كبيراً على مستوى الدولة، الدولة التي لديها استقرار، خصوصاً وأن تلك الخطة لا تحمِّل خزينة الدولة أي دين أو أي عبء مالي، ويمكن حمايتها، الآن وكما يقولون “لقد وقع الفاس بالراس”، ولكن السياسة تقتضي فن الممكن، فن الممكن الآن هو إيجاد هيئة تنسيق طرابلسية.
فن الممكن
من الضروري، وفي خضم الجدل اللامنتهي حول التسعيرة العادلة للمولدات، أن تتشكل لجنة تنسيق من النواب تضم خبراء من الكهرباء وممثلين عن بلديات طرابلس ونقابات المهن الحرة وغرفة التجارة في المدينة، هذا من جهة، أما الجهة الثانية فهو كارتل المولدات بطرابلس، بحيث توضع التكاليف والقدرات المالية ل70 في المئة من أهالي المدينة، وعلى أساسها توضع الأرباح.
من الضروري أن تقوم هيئة التنسيق، بزيارات إلى معمل دير عمار لتفقد كميات المحروقة التي توفر الكهرباء للشمال عموماً وعاصمته، للتخفيف قدر المستطاع عن معاناة الأهالي وبذات الوقت معرفة حجم التكاليف الكهربائية الشهرية، وهل فعلياً نملك بدائل للطاقات المتجددة ومنها الطاقة الشمسية في معرض رشيد كرامي الدولي، يكون شريكاً في تخفيف الأعباء عن المؤسسات التجارية والصناعية والاقتصادية.
الشعب الطرابلسي، يثورُ تارةً على مؤسسة كهرباء لبنان وتاراتٍ على أصحاب المولدات، النواب قادرون على الاحتكام إلى القضاء ولكن مقابل ماذا؟، ماذا لو أن الدولة قالت كلمتها: إنني عاجزة!!!!