خسارة لبنان
الشمال نيوز – عامر الشعار
خسارة لبنان
حقق لبنان في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، مرتبته المتقدمة، في الشرق بعامة، وفي الإقليم بخاصة. كان كلما واجهته أزمة، إنتصر عليها. كانت كلمته مسموعة بين الدول في المنطقة. وكانت هذة الدول تحتكم إليه، لحل النزاعات فيما بينها. فحقق لنفسه دورا محكما، في جميع ما كان يعترض هذة الدول، ويهز بنيانها.
كان صوت لبنان مدويا، على منابر الأمم المتحدة وداخل أروقة مجلس الأمن وفي جامعة الدول العربية. وفي جامعة الدول الإسلامية. وعلى جميع المنابر، وداخل كل المحافل الدولية.
كانت أمم العلم جمعاء، تعتبر صوت لبنان صوت العقل. وكان ممثل لبنان أينما كان بالغ الإحترام في عيون مستضيفيه. كان إذا طلب، لا يرد له طلب. وكان إذا قال، لا يرد له قول. وكان إذا أشار ، لا ترد له إشارة. وكان إذا طلب المعونة المادية أو المعنوية، سارعت جميع الدول لنجدته. وتسابقوا في الوصول إليه. وسابقتهم أيديهم، لرفده وإعانته، وإقالته من عثرته.
منذ نحو نصف قرن، أخذ لبنان إستراحة من دوره، للإشراف على إعدام “المحكوم عليهم بالإعدام”، من دول وشعوب المنطقة. كان يذهب مرغما إلى مهمته التي أنيطت به، تحت وطأة التهديد. وتحت وطأة التخريب. وتحت وطأة التعطيل. وتحت وطأة الحصار والتجويع. وبقوة أذرع المنظمات، التي تصل بسهولة إليه.
وبحلول أوائل التسعينيات، أمضى لبنان جيلا كاملا في الحياة، ضمن صورة ناعمة للجريمة، في عصر تزايد فيه إنعدام القانون. وفي العام1988، تعرض لبنان لخسارة ساحقة لشعبه ودولته ومؤسساته، وذلك لمعارضته القوية لأعدام القوانين، وإعدام دوره الذي عرف له في الستينيات. وبعد أربع سنوات، كان من الصعب تخيل لبنان بلا خسائر يومية. كان من الصعب تصديق ورشة الإعمار، وإزالة آثار الحروب القديمة، ومحو خطوط الفصل بين الشرقية والغربية. محو خطوط الفصل بين جميع المناطق. وإنفتاح الكل على الكل. وإنفتاحها كلها، على كلها في البلاد.
في غضون ذلك، باتت سرقة الشواطئ والساحات والأملاك العامة، أمرا شائعا. ونامت الميليشيات العسكرية، وإستيقظت الميليشيات المالية، تم حصر السلاح بالقوى الشرعية، وبالمقاومة الإسلامية. وصار تقاسم البلاد علنيا، بين الميليشيات المالية المستجدة وبين الميليشيات المسلحة المستجدة، على طريقة “طار الحمام، غط الحمام”. وصار الحديث عن تقاسم السلطة جهارا ونهارا وعيانا بلا غموض.
بالنسبة لدور لبنان وقراره المستقل، هل يمكن لأي شخص، أن يقول بجدية، إن الأوضاع في البلاد صارت طبيعية بعد ذلك الحين!. وإن الأوضاع في طرابلس وبيروت والجبل والبقاع والجنوب، قد تحسنت، في ظل القيادة الوطنية الجديدة التي أتت بعد الطائف.؟ ولماذا إذا، سجلت سنوات العنف في طرابلس. ولماذا إستحدثت فيها الجبهات. ولماذا بدأ نكء الجراح في بيروت والجبل والبقاع، والجنوب. لماذا سجلت معدلات الفقر نسبة عالية. ولماذا صارت الأوضاع في البلاد، تميل إلى العسكرة. ولماذا صار لبنان ، ينام على تهديدات، ويستيقظ على أخرى. لماذ أخذت الملفات، تفتح شيئا فشيئا غب الطلب، وتزج الناس والقيادات في السجون. ولماذا كانت تؤخذ قرارات الإبعاد عن الحكومة و قرارات الإبعاد عن البلاد، في الليالي الليلاء.
قد يتراءى للبعض القول، أن ذلك لم ينشأ عن فراغ. فمن المؤكد أن القفزات التي كانت تكثر في معدلات إنتشار الهزات السياسية والأمنية، كانت بالتالي ناجمة عن الجرعات الزائدة وعن الحميات الزائدة وعن توالي الإهتزازات الخارجية والداخلية. وكانت هذة الإهتزازات، تنال من جانب الدولة، وتضعف من صورتها ومن إرادتها، وتهز بنيتها الإدارية، السياسية منها والأمنية هزا عنيفا. مما يزيد الفوضى، ويعمق الشروخ، ويفسح في المجال، لظهور الإنقسامات.
كانت السنوات التسع للرئيس إلياس الهراوي. سنوات عجاف. فتحت المناطق على بعضها، وأزالت الحواجز الشائكة والحواجز الترابية. ولو أنها أبقت على الحواجز النفسية، خصوصا بعد إغتيال الرئيس رينيه معوض. ثم كانت السنوات التسع، للرئيس إميل لحود، تعيد الإعتبار للحواجز، وتقدمها على كل إعتبار. فإغتيل الرئيس رفيق الحريري. وإغتيل عدد كبير من الوزراء والنواب والقيادات السياسية في البلاد. وصار نواب الأمة ، لا يستطيعون ركوب خيولهم. صاروا نزلاء الفنادق. ويحمل إليهم الماء بالسلال. وصار الوسط التجاري، ساحتين: رياض الصلح والشهداء. وبينهما الشريط الشائك، على طريقة “الشريط القبرصي.” ورفعت حول السرايا الحكومي، الشريط الكهربائي. وشددت عليها الحمايات.
كل هذا كان حقيقيا. كان ساطعا. وكانت البلاد تقدم رجلا وتؤخر رجلا، وهي تتوجس الإخلال الوظيفي. والإخلال الأمني. والإخلال المالي. والإخلال العمراني. والإخلال الوطني. هذة البلاد التي كان من المفترض بعد الطائف، أن تودع السلاح، وأن تتقوى في اللحمة،لتعود كما كانت في الستينيات والسبعينيات منارات لأشعة الشمس. وإذا بها سمحت بإزدهار موجات العنف. وبإزدهار الجرائم، وبعودة التعديات، على الأملاك وعلى الأموال، وعلى الحقوق، وعلى الحدود، بلا تفرقة، لا مع عدو ولا مع شقيق.
كل ذلك مهد، لتراجع المراقبة في جميع أجهزة الدولة، وتراجع جودة الحياة في لبنان. وإزدادت حوافز السلوك السيء، وتراجعت حوافز التقدم والإزدهار وطار الصيف وطارت المصايف والمنتجعات. صارت تنتظر القرار. صار السلاح ولي الدم، كافل التحرير، كافل الدولة. صار السلاح ولي الناس. صار السلاح كافل الدولة. كافل الرئيس، كافل الحياة السياسية في البلاد.
هذا ليس علم آجتماع، بل هو إحساس بديهي منطقي: لماذا تأخرت الدولة. ولماذا خسرنا لبنان. إنه الأساس الذي بنيت عليه الأسس في البلاد. فمن أعوام1988 وما بعدها، وحتى أعوام التسعينيات كلها، كانت معدلات الجرائم السياسية والمالية والأمنية والإدارية، تأخذ طريقها، في نمو مستمر. وكانت كلها، تجري تحت أعين أهل الطائف، في الداخل والخارج، بلا توقف. حتى بلوغ طوفان الدماء، منذ العام2005، حتى الآن.
جاءت ثورة السابع عشر من تشرين، للتخلي عن هذا الإرث الثقيل. وتنصل جميع القادة. وتنصلت جميع الأحزاب وتنصل السلاح، من جميع الإنهيارات التي حصلت على مستوى البلاد. وكان الجميع يدعون الدفاع عن شرف الدولة. وعن مشروع الدولة وعن مشروعية الدولة. وغالبا ما كانت الإحتجاجات التي جاءت مع ثورة تشرين تتحول إلى إجرام صريح، بالإعتداء على أجهزة الدولة وعلى مال الدولة وعلى إدارة الدولة وعلى مباني وأملاك الدولة. وكان الرد عليها، بالعنف نفسه وأقسى. كانت الإحتجاجات نارية ولكنها سلمية. وكان الردعليها ناريا، ولكنه سلمي أيضا.
فجأة، تبددت فرص الخلاص في لبنان. وتبددت معها فرص نجاة اللبنانيين من “محرقة المرفأ”. محرقة المرفأ.. نعم محرقة المرفأ، لم لا! وتبددت مع ذلك فرص العودة للحياة الطبيعية، ووقع لبنان، كما يوسف، في جب الأزمات.
قد يكون القادة اللبنانيون جادون في تفكيرهم “المتواضع” لإنقاذ لبنان. لكنهم جميعا في الداخل و في الخارج، يواجهون عودة الإتفاق النووي إليهم في فيينا. ويبدو لنا أن الجميع قد فهم أن الأمور خارجة عن السيطرة. لكن سوء إدارة البلاد من قبل جميع القادة، قد وشم على أذرعتهم عبارة: “التساهل مع الجريمة”، على رقاب اللبنانيين. وربما يستغرق الأمر سنوات طويلة لمحوها. ولكن السؤال الذي يبقى عالقا في الأذهان، هو عن “خسارة لبنان”.!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.