إغتراب

الإعلامية والأديبة
كلود ناصيف حرب
تكتب عن نص الخريف للدكتور جميل الدويهي

الشمال نيوز – عامر الشعار

الإعلامية والأديبة
كلود ناصيف حرب
تكتب عن نص “الخريف” للدكتور جميل الدويهي:


لم يعد الصمت في حرم الجمال جمالاً، بل إن الصمت عن أدب مهجريّ أصيل وراق وعظيم، هو مخالفة لمنطق الإبداع. هذا ما شعرت به وأنا أقرأ نصّ “الخريف” للأديب المهجريّ العبقريّ د. جميل الدويهي، وهو حوار يثبت فيه الجميل المحلّق دائماً في فضاءات بعيدة، مجموعة من القيَم الفكريّة التي يؤمن بها، وينشرها في أعماله… وقد يكون من الصعب فهم ما يذهب إليه الدويهي، ويحتاج نصّه إلى القراءة عدّة مرات، قبل أخذ العبر والمفاتيح التي تغلق على رموزه وأبعاده.
يقوم النصّ على التعارض بين المتكلّم (الدويهي) والخريف، فيتبين أن الكاتب يمثل مجموعة من الناس الذين لا يحبون الخريف ولا الشتاء (هما شقيقان في نظر الدويهي ولا يختلفان إلا قليلاً). لكن الخريف يثبت أنّه خيّر ونبيل ومعطاء،
كما يثبت أن الناس يحبون المظاهر (الربيع والمرأة التي ترتدي ثياباً ملونة)، ويحتقرون الجوهر
(المرأة التي تفترش الرصيف وترتدي ثياباً رثّة). فرؤيتهم ليست صحيحة، وبعضهم يرى وليس له عينان.
وكعادته، يكثر الدويهي من الأمثال في قلب النص، فيغنيه، كمثل الملك الذي أراد أن يزوج ابنه، فجمع له ملكات الجمال من الأمم المجاورة، ولمّا تكلمن نظر ابن الملك إلى أبيه بمرارة وسأله: أليس في الممالك التي حولنا امرأة بشعة،
وفي هذا المثل، يبرهن الدويهي أننا نتبع المظاهر، حتى تصيبنا خيبة الأمل. أفلسنا نحب الصيف وهو كاذب، ونبغض الشتاء وهو صادق أمين، ولولاه لمتنا جوعاً وعطشاً،
والنص كله أبعد من الفصول، فالخريف والشتاء والربيع والصيف هي رموز يعبُر الدويهي من خلالها إلى أذهاننا، ليعلّمنا وينورنا، ويأخذنا من معتقداتنا التي ألفناها إلى رؤى جديدة وبعيدة، وما أجمله من عبقري عندما يعطي مثلاُ عن الشجرة التي تظن أنها تعطي، والحقيقة أن الناس يأخذون منها، فهناك فرق بين الأخذ والعطاء!
ويختم الدويهي نصه بما هو أجمل الجمال، من ضمن الحوار، أو الأقصوصة المفيدة، ذات الأبعاد الفكرية والإنسانية العميقة، فيكسر مظلته، ويرفض حمايتها له من صديق كان يعتقد أنه عدو، وصار يعشق السير تحت المطر، ويصادق الرياح والعواصف. ويخبئ الرعود والبروق في كتابه، حتى إذا أعطى لا يقول: أعطيت، بل يقول إنّ الناس أخذوا.
وأنا مثلك أيها الدويهي العبقري المهجري، راعي النهضة الاغتربية الثانية، سأكسر مظلتي وأفعل كما فعلت، وأنت تستقبل العاصفة وتخبئ الرعود والبروق بين دفّتي كتاب. وكلما سألني الناس:
من هو العبقري اللبق، عميد أدباء المهجر؟
سأدلهم إلى عنوان، هو نصّ “الخريف”، فإذا قرأوه علموا أن أدبنا المهجري هو النور والفضيلة، أدب يسمو على الكلام، ويتفاخر على المألوف والمكرّر…
وإذا كان هذا النص لا يأخذ نصيبه، فإن التاريخ سينصفه…
وسينصف كاتبه حتماً.
وسيكتب الناس عن أديب يصعد إلى القمم ويدوس عليها، ولا يعرف أحد من أين يأتي بمواضيعه، وكيف يعثر عليها، وكيف اهتدى إلى “عبقر” ليزورها كل يوم ويعود منها محملاً بالجواهر والياقوت.
كلود ناصيف حرب


اليكم نص الأديب
د. جميل ميلاد الدويهي


جميل الدويهي: الخريف (من كتاب “أفكار خارج العزلة”) يصدر عام 2022

كنت أكره الخريف، وأحتقر ثيابه الرثّة، وجسده الملطّخ بالوحول. وكلّما التقيت به يعْبر عند الجسر القديم، بين أشجار الحور والصفصاف، انتابتني رعشة، وتخيّلت نفسي ورقة صفراء تطير في الرياح، وتستقرّ في الوادي العميق.
ولاحظ الخريف أنّني أتجنّبه، وأشيح بوجهي عنه، فخاطبني قائلاً: مرحى يا أخي. هل آذيتك في شيء؟
أجبته من غير أن أنظر إليه: لم تؤذني، لكنّك تقسو على الطبيعة وتعرّيها، وتنشر فيها الفوضى والدمار، ولا ترأف بالحقول والمروج، فكأنّك ملك شرّير، كلّما وطئت قدماه على الثرى، تحوّل الزرع إلى يباس، والجمال إلى قبح.
هزّ الخريف برأسه متأسّفاً، وقال: أخطأتَ في شأني أيّها الفتى، فإنّني أفْضلُ من الشتاء، وأرحم منه بكثير. وأظنّ أنّك تعرف هذا الجبّار الذي ينشر الويل والأعاصير، ويقصف بالرعود… ولكنّه مثلي محبّ لكم، ويضحّي من أجلكم.
قلت بنبرة عصبيّة: أنتما من أب واحد وأمّ واحدة. فأنت الأخ الأصغر وهو الأخ الأكبر. أنت طريّ العود وهو أكثر منك غضباً وشراسة… وفي اعتقادي أنّك لا تختلف عنه إلاّ في القليل.
قال الخريف: أنتم أعداء أنفسكم أيّها الناس، لأنّكم ترون في طباعي الشرّ ولا ترون الخير. فالشتاء نفسه فيه خير لكم… بل هو صديق متنكّر… ولا يحبّ أن يتحدّث عن فضله عليكم… ويضحكني أنّكم تخافون منه وتهربون، وهو رفيق بكم، ولولاه لمتّم عطشاً وجوعاً… وكم أنتم مساكين لأنّكم تنظرون بعين واحدة، وبعضكم ينظر وليس له عينان، ويسمع وليس له أذنان! وكم سرتم في الطريق مع أعداء نجحوا في التمثيل عليكم، وكم تخلّيتم عن أصدقاء طيّبين، لأنّكم خدعتم ذواتكم، وصدّقتم خداعكم! فليس كلّ مَن يسير إلى جانبكم هو فرحكم، وليس كلّ مَن تهْجرونه وأنتم ناقمون عليه، هو حزنكم وتعاستكم. وإنّي أرى ضعف حيلتكم عندما يأتي الصيف، فترحّبون به، وتمدحونه، وهو ماكر ومضلّل، يفتح يديه لتأكلوا من ثمار ليست له، ويغدق عليكم بيادر قمح ما كانت مرّة من تعبه. كما أنّكم تغتبطون بالربيع مثلما تغتبطون بالمرأة التي ترتدي ثياباً ملوّنة، ويفوح عطرها في الدروب، أمّا تلك التي تفترش الرصيف، وتغطّي جسدها النحيل بثياب ممزّقة، وتشحذ الرغيف لأنّها محتاجة، فتهزأون بها، وتطردونها، وتهينونها… فهل سألتم المرأة الجميلة عن بشاعة قلبها، وانحطاط روحها؟ وهل سألتم المرأة المحتاجة عن نقاء سريرتها، وقيمة الشرف التي تتحلّى بها؟
كنت أصغي إلى الخريف وهو يتكلّم ويفصح عن مكنونات صدره، فكأنّه انتظر عصوراً، لكي يعبّر عمّا في قلبه من خيبة وإحباط. ثمّ قال: كان في مدينة ملك شابّ أراد والده أن يزوّجه، فجمع له ملكات الجمال من كلّ الأمم المجاورة… وعندما تكلّمنَ، التفت الملك الشابّ إلى أبيه، وسأله بمرارة: أليس في الممالك التي حولنا امرأة بشعة؟
لجأ الخريف، أثناء حديثه معي، إلى الرموز الصعبة، وهذا ليس غريباً، فقد قرأتُ عنه كثيراً، وعلمت أنّه مجموعة من الرموز والإشارات المعبّرة. وبعد أن أخذ نفساً طويلاً سمعت صداه في الوهاد والمنحدرات، قال لي بصوت متهدّج: صدقاً أقول لك أيّها الرفيق، لقد رأيت في عمري الطويل بساتين غنيّة بالفاكهة، وأخرى مهملة، يكسوها الشوك والعوسج، ورأيت الناس يأخذون من الحقول التي فيها فاكهة. فليس عدلاً أن تدّعي شجرة مثقلة بالثمار أنّها تعطي، بل العدل أن تقول إنّ الناس هم الذين يأخذون منها، فالعطاء والأخذ ليسا واحداً، بل يسير كلّ منهما في اتجاه مختلف عن الآخر. ولو كان العابرون في الحقل لا يطلبون من الشجرة أن تعطيهم، لماتت الحبّات على أغصانها، واهترأت من الإهمال والنسيان.
مضى الخريف مسرعاً، لأنّه كان على موعد مع الغيم والضباب. وعدت إلى منزلي، فحطّمت مظلّتي، وبدأت أعشق السير تحت المطر، ولا أخشى من البلل، وأصبحتُ كلّما عصفت الريح، أبتسمُ لها، وأدعوها إلى منزلي لكي ترتاح قليلاً، قبل أن تتابع سفرها إلى البعيد… ومنذ تلك الساعة أخبّئ الرعود والبروق في كتابي، وكلّما أعطي منها للآخرين، أخاف أن أقول إنّني أعطي، بل أقول دائماً إنّ الذين يقرأون في كتابي هم الذين يأخذون.


مشروع الأديب د. جميل الدويهي “أفكار اغترابيّة” للأدب الراقي – سيدني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى