الشريك المضارب

الشمال نيوز – عامر الشعار
الشريك المضارب
لا أعرف إذا ما كان الشريك المضارب في المدينة، موجودا أم لا. ذلك لأن الدكاكين القديمة في الأسواق، عرفت شكلا آخر من التجارات. عرفت في عصر مبكر، تأسيس المؤسسات والشركات. غير أني أعرف جيدا مسؤولية ومهام “الشريك المضارب” في الأرياف.
كان الملاكون في الريف ولا يزالون، يطلبون لحقولهم وأراضيهم وقطعان ماشيتهم، الشريك المضارب. وكان الفلاحون والرعاة، يزورون أصحاب الأراضي، وأصحاب القطعان، يعرضون عليهم، التعاون معهم بصفة “الشريك المضارب”.
وكان من صفات “الشريك المضارب”، أن يحسن الإهتمام بالأرض والإعتناء بها. وأن يعمل على إستصلاحها وعلى جعلها قابلة للإنتاج المستدام، فلايكون الشريك المضارب سببا في تعطيلها، وإنما أن يحسن زراعتها، وأن ينمي إنتاجها.
وما يجري على الأرض في السهل، يجري أيضا على الكروم وعلى البساتين، وعلى الحقول في الجبل. وكذلك على قطعان الماشية.
كان على “الشريك المضارب”، أن يكون ذا خبرة، في إدارة شؤون الأراضي. وأن يكون ذا خبرة في طلب الزراعات الموسمية. وأن يكون ذا باع طولى، في تصريف الإنتاج وتسويقه، وجعل مردوده عاليا.
كان الشريك المضارب، فلاحا عتيقا. من الفلاحين، الذين يحسنون الفلاحة والإهتمام بالأرض، والسهر عليها، بكل ما يلزم لها. وأن تكون خبرته قديمة في الأرض والزرع والغرس، وتأمين الفلاحة الجيدة والري الجيد والبذور والفسول والغروس الجيدة.
وكان على صاحب الأرض، أن يشترط على “الشريك المضارب”، إن لجهة الإستعمال، أو لمدة الإستعمال، أو لنسبة المشاركة التي يقدمها ل”شريكه المضارب”. وكان يجري الإتفاق بينهما، عند “الكاتب العدل”، على نسبة تقاسم الأرباح. وعلى المحافظة على الأرض وصيانتها، وعدم الإستهتار بها.
كان تسليم الأرض من المالك، للشريك المضارب، يتم ضمن الأصول. ويكتبه الكتاب العدول. ويشهد عليه الشهود. وكان لذلك رسم مالي مقطوع، يدفعه الشريك والشريك المضارب. فلا يتم التسلم والتسليم، إلا برضى الطرفين المتعاقدين.
كان صاحب الأرض يلجأ للشريك المضارب في خدمة أرضه وإستصلاحها، وجعلها قابلة للإنتاج المربح، والمريح، لأنه لا يقدر أن يقوم بهذة المهام كلها.
أما “الشريك المضارب”، فهو يريد إستثمار خبرته، وإستثمار جهده، وإستكمال عشقه للفلاحة في الأرض.
كان صاحب الأرض، لا يلجأ إلى الشريك المضارب، إلا حين يرى أن أرضه، قد أصابها الإهمال منذ زمن بعيد. وأنه جرب مرارا وتكرارا، ولسنوات طويلة، أن يستثمرها. فما أوفاها حقها، ولا هي أعطته دخلا، يقيم به، وبمصروفاته عليها.
لهذا كان التعاقد بينهما، على مثل هذة الصيغة، يأتي، لما يرى فيه الطرفان مصلحة لهما.
وكان أهل القرى في مجالسهم وفي منازيلهم وفي نواديهم، وأمام الكتاب من الوجهاء والمقدمين، يتحدثون عما كان يحدث بين الشريك و”الشريك المضارب” من مشاكل ومن حوادث، ومن أحداث.
كانت الخلافات بين الشريك و”الشريك المضارب”، كثيرا ما تظهر إلى العلن. وهي إذا ما إحتدمت بينهما، كان الطرفان يلجآن، إلى الحوكمة والمحاكم والقضاء. أو إلى المجالس القروية. يحكم بها طرف، يرتضيه الطرفان.
كان على المسؤولين اللبنانيين، أن يحذروا في الأساس تخريب الدولة. وأن يحذروا إفساد إدارتها، وتخريب مجالسها. وأن يحذروا ويحذروا، أن الشعب يمهل ولا يهمل. فهو لا يستطيع أن يتحمل فساد الحكام أطول من اللازم. ولا يستطيع تحمل الفساد الإداري والفساد الإنتخابي، وفساد الدولة كلها من رأسها حتى ذيلها، دون أن يبادر للإنتفاض عليها، وعلى من تسببوا، بكل هذة العطالة التي أصابتها.
كان لا بد للحكام، أن يعرفوا من التاريخ، أن الناس لا يستكينون للفاسدين مدى الحياة. كان عليهم أن يعرفوا، أن البلاد، سوف تكون
عرضة للإنقلاب على السائد المأزوم. وعلى المهترئ، وعلى الفاسد. وعلى جميع أنواع الفساد.
“حزب الله”، الذي قدم نفسه للرئيس الفرنسي، ماكرون، على “طاولة الصنوبر”، بعد الإنفجار المدوي في(4آب 2020)، قدمه أيضا ماكرون، على أنه “شريك مضارب” في الدولة. بعد أن أخذ علما أنه يحل محلها، في كل قطاع تنسحب منه الدولة. تطمينا منه وإستمالة ل”توتال” وإيران.
ما كان حزب الله أن ينتظر تقديمه، للشعب و للدولة اللبنانية، من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون، بل قدم نفسه بنفسه، مقاومة إسلامية تدافع عن أرض الجنوب، التي أخلتها الدولة، وتفرد بها العدو.
مشروع ملء الفراغ، الذي يظهر بعد كل إنسحاب من طرف الدولة، إنما هو مشروع حزب الله. وهو لا يختبئ في ذلك، وراء “إصبعته” كما تفعل الدولة.
فحين تنسحب الدولة، عن مصاولة العدو، يبادر حزب الله، لمصاولته، ومقاومته، بما ملكت يده.
وفي الآونة الأخيرة، بعد أن إنسحبت الدولة، من تحمل مسؤوليتها، تجاه تأمين المازوت والكهرباء، بادر حزب الله، لملء الفراغ الحكومي. وجاء بصهاريج وبواخر المازوت. جاء ب”شركة الأمانة” العابرة للحدود. وألغى دور باقي الشركات.
حزب الله، يعلن اليوم بلسان أحد أبرز قادته، “الشيخ نعيم قاسم”، أنه حاضر لسد كل الفراغات، التي تنشأ، بعد إنسحاب الدولة.
“حزب الله”، اليوم، شريكا مضاربا للدولة، يأخذ على عاتقه إستلام كل إدارة تنسحب منها الدولة.
حزب الله، لا يريد أن تتساقط البلاد، التي غاب عنها حكامها، أمام ناظريه، وهو يظل واقفا، لا يحسن مد اليد لها.
أعرف قصصا قديمة عن الشركاء المضاربين، الذين ورثوا أملاك شركائهم، بحكم الأمر الواقع، حين عجز أصحاب الأملاك، عن الإيفاء بتعهداتهم، أمام القانون.
حزب الله، شريكا مضاربا، يدع الدولة حتى تتخلى عن شعبها، فيبادر إلى الشعب ويمد يده إليه، كما فعل في أزمة المازوت. فيبادره الشعب: يبادله ودا بود في الصناديق.
حزب الله شريكا مضاربا للدولة: فهل نحن على مسافة خطوات من دولة حزب الله، بعد عصر الإنتخاب القريب!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية