شهيد العشق
الشمال نيوز – عامر الشعار

شهيد العشق
الرابع عشر من شهر شباط، تاريخ جديد في تاريخ لبنان. بعد ذلك التاريخ في العام2005، كل شيء تغير. كل شيء تحول. تقدم لبنان من العالم، بأحشائه التي خرجت منه على منعطف “السان جورج”. سحب سوداء ظللت لبنان. ظللت المنطقة العربية. وصلت رسائلها المحروقة، إلى عواصم العالم. إستفاق الناس على صوت واحد: “قتل الحريري”.
عادت عقارب الساعة فورا ثلاثين عاما إلى الوراء. “ثلاثون عاما”، إستيقظت ذاكرة الحرب الأهلية. إستيقظت ذاكرة الحرب الإقليمية. إستيقظت ذاكرة العالم.
التفجير على منعطف “السان جورج”، كان زلزالا أصاب لبنان، في ذروة الرابع عشر من شباط- 2005. كان ذلك بإزاء تاريخ 14/2/1945. يوم تأسيس المملكة العربية السعودية. هل كان ذلك صدفة. أم كان ذلك رسالة؟.
خرج “ديوجين”، ظهيرة ذلك اليوم، وبيده قنديله، يفتش عن الحقيقة، في الثانية عشرة وبضع دقائق. وبضع ثوان، تحت شمس الظهيرة. وجد “قتيل العشق” ممددا، بطول لبنان. بطول تاريخه. بطول ساحله. جمع أنهاره كلها، في “سلة البكاء”.
قتل الحريري، لم يكن قتل واحد. “وإنما بنيان قوم تهدما”. لم تشهد البلاد برهة أقسى عليها، من “برهة قتل حجر”، إلا في ذلك اليوم.
أمر عمليات صدر من “مكان ما”، يريد العودة بلبنان، بعد فلسطين والعراق، إلى “العصر الحجري”. لم يكن أمام اللبنانيين إلا أن يحملوا نعشهم. يوضبون فيه أمتعتهم ويغادرون.
غادر لبنان التاريخ منذ تلك البرهة.خربت العاصمة بيروت. خربت مدن الساحل ومدن الداخل كلها، دفعة واحدة. تعطلت السفينة اللبنانية التي كانت تشق عباب اليم إلى الميناء. تناثرت الأحلام. تساقطت الإنجازات. عادت الأسواق العالمية. عاد سوق البورصة، إلى “سوق أبو رخوصة”. تعطل المطار والبور والبوابات البرية. وأخذ اللبنانيون جميعا، طريقهم إلى الجحيم.
كانت الدولة تتساقط طوبا طوبا، حتى لم يبق فيها حجر على حجر. نخرت أحشاءها الديدان. أبلتها. أهلكتها. خرجت إلى الساحات، تغتسل بالبكاء.
قتل العاشق كان إيذانا بموت البلاد. غادر المصطافون الجبال. جفت الأسواق من الأقدام. أخذت الدماء تسيل في الطرقات. إحترق طائر الفينيق، نصبا، في ساحة البرج، إيذانا بإحتراق البلاد كلها. أغلقت عليه البوابات بلا رحمة. صار إلى الإختناق.
قتيل العشق، كان إيذانا، بقتل لبنان. تحول العالم عنه فجأة. غادروه “ذبيحا” على الأرض. ها هو اليوم بعد 17 عاما، يشتد عليه الخناق، فيذوق بعد القتل، طعم العزل، في الذكرى 77، لتأسيس المملكة.
ينتحي لبنان جانبا، في جميع المطارات. ينتحي معزولا بكل آلامه. أغلق فمه بالقير و بالقطن. صار موته يخرج من فمه. سدوا الفم، حتى لا يصيخوا إلى نشيجه الأخير، حين يشخب الدم من عنقه في الذكرى17.
قتيل العشق، في الرابع عشر من شهر شباط-2005، لحما ساخنا في ساحة البرج، لا زال. ينزلون من المطارات إليه. يقفون على دمه. يقولون بصوت واحد: لماذا قتلتم إبننا. لماذا قتلتم لبنان!.
قتيل العشق، نزل من نعشه، ظهيرة الرابع عشر من شباط-2005. خرج في وداع لبنان الدولة الواحدة. ودع المؤسسات. ودع عرائس المصائف. ودع الأسواق. بكى الأرصفة والشوارع والمدن. بكى السهول والجبال. بكى المدارس والجامعات. بكى المرافئ. بكى الصناعات. بكى المواسم. بكى المهرجانات، ودور الطباعة. بكى القطاع المصرفي، والقطاع التجاري. وقطاع المستشفيات. وقطاع الإستشفاء.
صار الأمن وجهة نظر. صارت الحدود وجهة نظر. صارت العلاقات مع الأشقاء والأصدقاء، مسألة فيها نظر.
خرج العاشق من نعشه، في وداع لبنان. كان دمه مسفوحا على الأرض. البحر غريق مراكب الموت. والطرقات قوافل السائلين عن أبواب الهجرة. والمخازن تشتهي الخبز. والناس، كل يوم في إنتظار: الدواء، الغذاء، الكتاب. وقتيل العشق، لحما ساخنا على الطرقات.
د قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.