حكومة البديل
الشمال نيوز – عامر الشعار
حكومة البديل
في الأزمات، تظهر بعض المصطلحات فجأة. تفرض سيادتها مباشرة. تعبر إلى النفوس بحكم إلحاح الحاجة. وتتداولها الألسن. وتصبح بالتالي أصيلة، إلى الحد الذي ينسى معها المصطلح الأول، ويتم بالتالي، تداول البديل.
عرف مصطلح “البديل” على نطاق واسع، في قطاع الدواء. فقد الدواء الموصوف، فأخذ الناس يفتشون عن البديل.
إلحاح الحاجة لدى المريض، وترداد “البديل” على الألسن، جعل الناس يتجاوزون إسم الدواء الأول ، ويسرعون فورا إلى غاياتهم، لحل مشكلاتهم، فيبحثون عن “البديل”.
حدث ذلك مع طلاب المدارس، حين أغلقت أبوابها بسبب تفشي وباء الكورونا. أخذوا يبحثون عن البديل. فوجدوا ضالتهم في التعليم عن بعد. أو في التعليم الخصوصي.
الناس لا يصبرون لحل حاجاتهم. يريدون حلها فورا. يفتشون عن الحلول، ويسرعون إلى من يجدوا أبوابه مفتوحة، وعنده ولو “شبه حل”.
وعندما ضربت الحرب الأهلية لبنان، وغابت الدولة عن السماع، إبتدع اللبنانيون “البديل” عن السلطة الرسمية لحل مشكلاتهم والنظر في قضاياهم، فكانت “الإدارة المدنية” في الجبل، ومثلها، أو ما يقاربها أو ما يعادلها في جميع المدن. وفي سائر المناطق اللبنانية.
وعندما دخلت قوات الردع العربية إلى لبنان، بعد “مؤتمر الطائف”، لمساعدة السلطة اللبنانية، في إعادة بسط سلطانها على البلاد، كان الناس يتوجهون فورا إلى مراكز “الأمن البديل”، عنيت قوات الردع العربية( القوات السورية)، لحل جميع مشاكلهم، “من البابوج إلى الطربوش”. فكانوا يطلبون تدخلها، لحل المشاكل الأسرية. ولحل المشكلات العائلية. ولحل المشاكل القروية. ولحل مشاكل الإنتخابات: البلدية والنيابية والرئاسية.
كان الناس يطلبون من السلطات البديلة، مساندتهم، لتحصيل حوائجهم من الطحين ومن المازوت ومن البنزين. ولتسجيل أولادهم في المدارس. ولتعيين أبنائهم مدراء و أساتذة ومدرسين.
وتعود الناس عليهم، ونسوا مراكز الدولة. نسوا زعماءها. نسوا نوابها. نسوا رؤساء السلطات: التشريعية والتنفيذية والجمهورية فيها. كان هؤلاء عند الحاجة، إسما لغير مسمى.
كان الناس، يخرجون إلى الشام، لطلب نيابة او وزارة أو رئاسة. كان الناس يذهبون إلى عنجر في البقاع، وإلى مدرسة الأميركان في طرابلس، وإلى البوريفاج في بيروت. كانت مراكز “الأمن البديل”، معروفة أكثر من مراكز السلطات اللبنانية.
طلب الناس حاجاتهم منهم. طلبوا الوظائف: من الناطور حتى رؤساء الإدارات. كانوا يجدون السلطة البديلة، لا تمر بالروتين. دروبها سالكة بلا إلتواءات وبلا وساطات وبلا تسويفات. والجميع عندهم سواسية، من صغير القوم حتى كبيرهم، عند قضاء الحاجات.
ومنذ (ثورة17 ت1- 2019) أخذت الدولة اللبنانية في الإنكشاف و الإختلال. أنهكتها الأحداث التي توالت عليها. ومع تفجير مرفأ بيروت- (4 آب 2020)، بدأ ثوب السلطة اللبنانية، ينحسر عن بدنها شيئا فشيئا. وظهرت عورتها بالكامل، في فوضى السوق: الكهرباء والبنزين والمازوت والدواء والمستشفيات والأفران، وقوارير الغاز .
تساقطت الدولة شيئا فشيئا. سقطت الحكومة، وعجز الرسميون عن تشكيل حكومة جديدة لمدة 13 شهرا. حتى وقف الرئيس “الرئيسي”، في طهران وقال بثلاث جهات لتعيين حكومة ميقاتي: إيران وفرنسا وحزب الله. ولم يسم السلطات اللبنانية. ولا رئيس الجمهورية.
بادر حزب الله لتلمس دوره بديلا عن الدولة. صار الناس يراجعونه في جميع أزماتهم. بدأوا يطلبون منه حلا لمعضلاتهم: الكهرباء والبنزين والمازوت. بالإضافة إلى حاجاتهم له في حل ما جمد في البلاد، منذ خمسة أعوام.
أخذ الناس يتعودون على “حوكمة حزب الله” في جميع ما يحتاجون إليه. وفي جميع ما يطلبون. وفي جميع ما يطمئنهم وفي جميع ما يريدون. أخذ الناس يتعودون على حكومة حزب الله.
حزب الله صار بديلا عن جميع السلطة في البلاد. مثله مثل الإدارة المحلية. مثله مثل قوات الردع العربية. صار مثله مثل القوات السورية في زمن الوصاية. مثله مثل “الدواء البديل”.
وقديما قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها/ مصائب قوم عند قوم فوائد.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية