ثقافة وفنون

تشكيل الحكومة

الشمال نيوز – عامر الشعار

تشكيل الحكومة

لم يعد العالم كله، غائبا عما يجري في لبنان. صار يعرف، أكثر من كثير من اللبنانيين، أدق التفاصيل. صار يعرف مقدار الصعوبة، التي تقطع رأس لبنان، ولا تقطع فتر المسافة، لتشكيل الحكومة، لا المتر منها.
أمرا ما صار يخشاه العالم، قبل كثير من اللبنانيين، هو ضياع لبنان. ضياع هذا الكيان، بعد تجربة مئة عام. صار لبنان ينشد مع الشاعر القديم:
“أضاعوني، وأي فتى أضاعوا/ ليوم كريهة وسداد ثغر”.
مؤخرا، ضاق صدر الأمم المتحدة من اللبنانيين، ومن المسؤولين فيه، لتقصيرهم المتعمد في تشكيل الحكومة، بعد مرور سنة تقريبا، على إنفجارمرفأ بيروت في الرابع من آب-2020، فبادر إثر ذلك رئيس الحكومة د. حسان دياب، وقدم إستقالة حكومته.
تحت وطأة الدعوات، لإنقاذ لبنان، بحكومة إختصاصيين مستقلة، تم تكليف د. مصطفى أديب، سفير لبنان في برلين، بتشكيل حكومة الإختصاصيين، المستقلين هذة.
أمضى د. أديب زهاء الشهر، يجول على زعماء الكتل النيابة. أفشلوه في مهمته. فإعتذر وغادر بيروت، إلى مركز عمله في برلين.
نزل الشيخ سعد الحريري، إلى قلب معركة التكليف والتأليف. ثم طوى لائحته، بعد تسعة أشهر من تكليفه. وإستودع الله لبنان. إستشعارا منه مثل أبيه الشهيد، ما يخطط للبنان.
نمي إلى بعض اللبنانيين، عزم “أبي العزم”، دولة الرئيس نجيب ميقاتي، ترشحا للتكليف والتأليف. فبادر بعض اللبنانيين، لملاقاته “على الكوع”. ربطوا له هناك، بكل سيوفهم، وبكل بواريدهم، حتى يمنعوه قطع قيد المسافة للتشكيل، ولو كان رأس لبنان في “الدق”. ولو كان رأس لبنان، مهددا بالقطع.
أمس، كانت الأمم المتحدة، تصغي لما يتهامسه اللبنانيون، من تعذر التكليف. فإذا ما تجاوز لبنان قطوعه، وجد من يلطى أو يتلطى له على “كوع التأليف”.
أدركت الأمم المتحدة خطورة الأمر في لبنان. وحملته على محمل الجد، فخشيت ضياع الكيان، في “الذكرى المئوية” لتأسيسه.
الأمم المتحدة، هي حقا “أم الصبي”. إعترافها، بل إعلانها الجمهورية اللبنانية، وبكامل عضويتها مستقلة عن الإنتداب الفرنسي،لمما يجعلها حقا “أم الصبي”.
الجمهورية اللبنانية، نفدت إلى الوجود بقرار منها، بعدما كادت تضيع في سراديب سايكس بيكو. في سراديب المؤامرات. في سراديب الإنتداب.
من الطبيعي أن تغضب الأمم المتحدة اليوم، لما يجري في لبنان، من طمس للجمهورية، دستورا وتشريعات وقوانين مرعية الإجراء. طمس هيئات ناظمة، للجمهورية المستقلة.
لذلك دعت الأمم المتحدة، البارحة، إلى “تشكيل حكومة لبنانية ذات صلاحيات كاملة، يمكنها وضع البلاد على طريق التعافي.”( الديار: 25/7/2021، ص2).
كشف ذلك، المؤتمر الصحفي، الذي عقده فرحان حق، نائب المتحدث بإسم الأمين العام للأمم المتحدة، عبر دائرة تلفزيونية، مع الصحفيين بمقر المنظمة الدولية في “نيويورك”.
قال فرحان حق: ” إن دعوة الأمم المتحدة، جاءت على لسان المنسقة الأممية الخاصة إلى لبنان: “جوانا ورونيكا”، خلال جلسة مشاورات مغلقة لمجلس الأمن الدولي، عقدت الخميس 22/7/2021، وحضرها وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام، “جان بيير لاكروا”.
وأضاف “حق”: إن “ورونيكا”، سلطت الضوء في إفادتها، على الصعوبات الإجتماعية والإقتصادية والمالية والسياسية المتعددة والمتراكمة في البلاد( لبنان)، وتأثيرها في الناس.
وجددت “ورونيكا” دعوات الأمم المتحدة لتشكيل حكومة ذات صلاحيات كاملة، يمكنها وضع لبنان، على طريق التعافي”.
المأساة التي وصل لبنان إليها، كانت من صنع المسؤولين أنفسهم فيه.
فهم لم ينجزوا ما هم مكلفون به، من خلال مواقعهم، ومن خلال مسؤولياتهم، بعد مضي عام على إستقالة حكومة د. حسان دياب.
هذا الإستهتار بالحقوق، مقرونا بالإستهتار بالدستور، وبإنتاجية السلطة فيه، حتى ضياع عام، وحتى وصول لبنان، إلى حالة الإفلاس والفشل، بين جميع الدول، وبين جميع الأمم، لمما يجعل الأمم المتحدة، تخشى على لبنان من الضياع.
والسؤال اليوم، الذي يسأله أهل لبنان، وأهل المجتمع الدولي: لماذا هذا الإستهتار كله بحياة لبنان واللبنانيين. لماذا هذا الإستهتار بكل الأخطار المحيقة به. فهل نخرج إلى الجدران والساحات والأباطح، للطم الصدور و للطم الوجوه، ولشطب الرؤوس والأيدي والجنبات بالسيوف، “بعد خراب البصرة”/ بعد ضياع لبنان.
نخشى أن تقول لنا الأمم المتحدة بعد لأي. نخشى أن تقول الأمم المتحدة للبنان واللبنانيين ولجميع المسؤولين. ولجميع من هم خلفهم من الأشقاء والأصدقاء والمهتمين: “قضي الأمر الذي فيه تستفتيان”.( يوسف/41).
أخشى ما يخشاه اللبنانيون، أن نكون أمام إستحقاق قاتل لنا بعد مئة عام على الكيان، وقريب منها، من عمر “الجمهورية”: إعلان الأمم المتحدة، أن “لبنان دولة فاشلة”. ومسارعة الأعداء للإنقضاض عليه، وما أكثرهم.
ولا ننسى المثل البلدي القديم الذي يقول: “إذا طاح الجمل، كثرت سكاكينه”.
إعتاد اللبنانيون على الطعن بالسكاكين طيلة مئة عام، على يد المسؤوليين. ولكن الأمم المتحدة، كما يبدو مؤخرا تخشى عليه اليوم، أن يسوقه السياسيون، إلى سوق الجزارة، حيث يتم الذبح.
لبنان اليوم، تحذره الأمم المتحدة بالإسراع لتشكيل الحكومة، قبل أن يقدمه سياسيوه للعالم، “جملا ثمينا صالحا للذبح”.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى