ثقافة وفنون

الإعتذار بعذر

الشمال نيوز – عامر الشعار

الإعتذار بعذر

عندما أعلن الرئيس المكلف سعد الحريري إعتذاره، بعد تعذر تشكيل حكومته تسعة أشهر، كان السؤال التالي: هل “التأليف” اليوم ممكن، أم أنه مستحيل.
اللبنانيون المتابعون، ل”مسار التكليف والتأليف”، في لبنان، يعيشون هواجس الإستحالة.
تيارات متناقضة متعارضة، تضرب بقوة الحياة السياسية اليوم في لبنان.
يتعاظم موجها. يعلو بعلو جبال لبنان، حتى ليكاد يعيده إلى قيعان البحر، حيث كان، قبل ظهوره في العصر الجيولوجي الرابع.
لم يكن الإعتذار عن التكليف، لدى الرئيس سعد الحريري، ليتأخر طوال هذة المدة، التي بلغت “مدة الحمل”، إلا لأنه عجز عن ولادة حكومة طبيعية، لا قيصرية.
عندما شعر بإستنفاد آخر يوم، من مدة “حمل التكليف”، وتعذر عليه بلوغ الغاية، سارع إلى الإعتذار، قبل أن يسقط في يده.
لم يأت الإعتذار من عدم. تعذر التأليف، كان وراءه حتى آخر يوم، من مدة “حمل التكليف”.
حسم بذلك الرئيس سعد الحريري مسألتين أساسيتين، في “توقيت الإعتذار”، واحدة بالقياس، والأخرى بالإجتهاد:
1- مسألة مدة حمل التكليف. قاسها على حملان المرأة لجنينها. حفاظا منه على الولادة الطبيعية.
2- مسألة سبب الإعتذار. إجتهد فيه بعد تسعة أشهر من الأخذ والرد، بين بيت الوسط، وبعبدا، ألا يأتي ب”حكومة بعبدا”، بعد تعذر الإتيان ب”حكومة بيت الوسط”.
هكذا أفضى عذره إلى الإعتذار. صوب البوصلة التي كاد اللبنانيون أن يضيعوها، في غمرة “تداول التأليف”، المحكوم بإلحاح “الحكومة المستقيلة”، وبإلحاح تأليف “حكومة إصلاح” غدت مستحيلة.
وجد الرئيس المكلف، بعد تسعة أشهر على مدة حمل التأليف، أنه عاجز عن الإتيان بولادة حكومة إصلاح مستقلة.
وجد عند شريكه في بعبدا، هما آخر لا يطيقه. هما آخر لا ينسجم مع شروط مبادرة الرئيس ماكرون، التي نالت تأييد الأطراف والأطياف اللبنانية جميعها.
تسعة أشهر ظل الرئيس المكلف يسعى لتدوير الزوايا ولم تفلح جهوده. تضجر اللبنانيون. وتضجر معهم العالم. بادروا جميعا لتقديم المبادرات، لتدوير الزوايا وتذليل العقبات، بين بيت الوسط وبين بعبدا. “فما وهنت (العقبات). وأوهى قرنه الوعل”.
كثيرون هم المتابعون لتكليف الرئيس سعد الحريري، قبل اليوم الأول، وبعد اليوم الأخير. وكثيرون هم الذين إحتجوا عليه ل”مدة تكليف” طالت تسعة أشهر.
غير أنهم، قد خفيت عنهم الأسباب التي حالت دون التأليف. والأسباب الأخرى التي أفضت إلى الإعتذار.
بين الشروع في عملية التأليف، وبين تقديم الإعتذار عن التكليف، كان الوقت يجمد عند الرئيس الحريري، في عدم قدرته، سياسيا، على تجاوز شروط المبادرة الإصلاحية الفرنسية.
عصر يوم الخميس15/7/2021، كان الرئيس الحريري، قد عثر على نقطة الجمود هذة. قرأ برهة بعبدا من بيت الوسط: لا تكليف ولا تأليف له.
قفز سؤال بعبدا له فجأة: “شو جايي تعمل هون!” فإلتمس لنفسه على الفور، “عذر الإعتذار”.
أراد سعد الحريري، أن لا يقدم للبنانيين ولا لغيرهم من المتابعين، الإعتذار قبل نضوجه.
لا ينضج الإعتذار، قبل نضوج العذر المؤدي للإعتذار.
الإعتذار، قرار يؤخذ. وأما عذر الإعتذار، فيحسن به النضوج حتى يسهل على الرئيس المكلف شرحه. وحتى يسلس على اللبنانيين والمتابعين فهمه.
الرئيس الحريري، آخذ اليوم وغدا وبعد غد، في شرح عذره، لا في شرح قرار إتخذه: “الإعتذار عن التأليف”.
يريد الرئيس المعتذر، أن يشرح للبنانيين والمتابعين والمهتمين، عذره. هذا هو بيت القصيد عنده.
حجته في ذلك، أن لا يقع غيره من المرشحين للتكليف، فيما وقع له في بعبدا. إلا إذا كان لبعبدا وحدها، الحق في أن تقول: “زيد يرث. وزيد لا يرث”.
يقطع الرئيس الحريري وقته، في “شرح عذره”. هو أصعب عليه حقا من شرح إعتذاره. لأنه هو الأصل. أصل كل مشكل عند “تأليف الحكومة”.
هكذا كان يحصل، مع الرؤساء المكلفين سابقا، في معظم العهود السابقة. فما بالنا ولبنان يقطع أشد العهود قسوة. وأمرها عودا.
الرئيس المعتذر عن التأليف، يريد أن يحذر، بعد أن تجاوز حذره، كي يعرف السالكون، إلى بعبدا، كيف تسيل بهم الطريق، وكيف هم سيسلكون.
فمسألة إدارة البلاد، بحكومة مستقيلة تتطلع لرفع العقوبات، أهون من إدارتها بحكومة تستدعي العقوبات.
الرئيس سعد الحريري، يدعو المرشحين للتكليف، أن لا يستمرئوا ولا يستسيغوا “عذرا أقبح من الذنب”!
الرئيس الحريري يدعوا المرشحين، لتفهم إعتذاره بعذر !

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى