الحكومة ماشية

الشمال نيوز – عامر الشعار
الحكومة ماشية
أذكر في صغري، أني حضرت مسرحية لمخيم صيفي كشفي تابع لوزارة الشؤون الإجتماعية، أقيمت على ملعب المدرسة في بلدتي في الستينيات. كان الممثلون من طلاب الثانويات. وكان عنوان المسرحية: “مات… بس (ساعتو) ماشية”.
بدأ عرض المسرحية، في السهرة العامة التي كان يخصصها الطلاب الكشافون في المخيم، لأهل القرية، للترفيه عنهم، بعد عودتهم من الحقول، ومن المزارع. وبعد الإنصراف من أشغالهم المختلفة، وعودتم للراحة في بيوتهم.
كانت الكهرباء في “الستينيات”، 24/24. كانت الساحة العامة في البلدة، وجميع الزواريب والزوايا المحيطة تتلألأ، تحت أضواء المصابيح العامة للبلدية.
حضر أهل المخيم الكشفي في ملعب المدرسة، الذين قدمت لهم، مسرحا بسيطا، من خشب الدلب. ومن قصب الحصر، ومن قضبان شجر الدفلى وجدائل شجيرات العريش وشجيرات الياسمين والريحان والليف المجدول. وتداعى أهالي بلدتي: رئيس البلدية والمختار وأساتذة القرية ورئيس المخفر، وطلاب المدرسة الرسمية، والضيوف من القرى المجاورة. كان قد وجه قائد المخيم الكشفي دعوة عامة، للناس، حتى يحضروا المسرحية الطلابية الوطنية، على ملعب المدرسة الرسمية.
كان العرض المسرحي، على ثلاثة أدوار:
1- عرض الطلاب لمعاناة الناس في القرية. جسدوا هذة المعاناة بكل صدق. النساء على التنور، منذ الصباح الباكر حتى المساء، يعجن ويخبزن ، ويحضرن لشيها في التنور. والفلاحون الذاهبون إلى الحقول، وعلى أكتافهم الرفوش والمعاول والحبال والمناجل بالإضافة إلى المجرفة والمعدور وصرر الطعام. وكذلك الفلاحون العائدون في المساء، وعلى ظهورهم أرزاقهم، وقد ظهرت عليهم علامات التعب. وعلامات الأوجاع. وعلامات السعي والكد والجد. وعلامات العزيمة والصبر وعلامات الوطنية الجادة و الصادقة.
2-في الدور الثاني، عرض الطلاب، لسهرات أهل القرية، وكيف كانوا يجتمعون عند رئيس البلدية. أو عند المختار. او عند رئيس المخفر، أو عند مدير المدرسة. كانوا يبثون لهم أوجاعهم. ويعرضون عليهم مشكلاتهم اليومية والموسمية والسنوية. وكذلك هواجسهم الآنية الملحة. كانوا يصورون بكل صدق، هذة الهواجس التي التقطوها بعيونهم الشخصية. فوقفوا على دقائقها، وتحدثوا عنها بشفافية، حتى كادت القلوب تتفطر، لسماع هذة الروايات التي تتحدث عن حياتهم، وما كانوا ينتبهون لها. حركوا أوجاع أهل القرية، لأنهم شاهدوها و شهدوا عليها. وأبكوا العجائز. وأبكوا الأرامل. وأبكوا الثكالى. وجعلوا الدموع تذرف على الخدود الوردية للفتيات وللفتيان.
3- في الدور الثالث، عرضوا لإحتكاك أهل القرية، بأهل “السلطة” في القرية: رئيس المخفر. ورئيس البلدية ومدير المدرسة الإبتدائية، والمختار. كان الطلاب الكشفيون ، بعد ثلاثين يوما، في مخيم البلدة، قد تنسموا أخبار هذة الإحتكاكات، من سهرات أهل القرية، ومن سهرات المنازيل. ومن جلسات ومجالس الحوانيت. ومن السهرات التي كان يقطعها أهالي القرية، تحت ضوء مصابيح البلدية، التي تظل مشعشعة حتى تدب الأرجل على الطرقات الحافية. وحتى تضرب الأظلاف والأخفاف والحوافر، الدروب، وتثير الغبار في النجود.
عرض الطلاب الكشفيون الذي مثلوا دور رئيس المخفر وعساكره في المخفر، ومع الأهالي، كيف كان يتحدث عن إستتباب الأمن، وكيف أن “أبو العز”، سرقت بقراته من الزريبة في أول الليل. وأن الفلاح مهدي، إعتدى عليه “القبضاي”، الذي يعمل في منزول البيك. وكيف أن الأهالي يشتكون من تزوير الإنتخابات، عند أقلام الإقتراع. فالفوز أوالخسارة، محسوبية، وهي محسومة سلفا قبل فرز الصناديق، وليست لها علاقة بعدد الأصوات.
كانوا يراجعون رئيس البلدية بالتعديات. وأن أزلامه وموظفوه، يعتدون على الناس في وضح النهار، ويفرضون عليهم “الخوات” و “الرشى” و”الكبارات.”
صوروا أيضا مدير المدرسة، أنه كان رجلا تابعا لرئيس المخفر، يوشي بالأساتذة و بالأهالي. ينم عليهم. ويسهل مرور أولاد رئيس البلدية ورئيس المخفر والمختار، في الترفيع، بلا إحتساب النشاطات ولا العلامات.
أما المختار، فكانوا يصورونه، مثل “مكوك الحياكة”، مثل “مكوك الحائك” البليد، بين البلدية والمدرسة والمخفر و بين الوجهاء. يؤلبهم على بعضهم، ويدفعهم للتشاجر. ويشعل بينهم شرارات الفتنة و النار والغضب.
كان الصف الأول للمتفرجين، مخصصا، لرئيس المخفر ورئيس البلدية ومدير المدرسة والمختار والوجهاء والضيوف المقدمين. وكان هؤلاء ينقلبون من الضحك، حين تمر أمامهم المشاهد، واحدا بعد الآخر. كانوا يتهامسون على بعضهم. كانوا يتضاحكون. وكانت نسوة الحقول ونسوة التنور، ونسوة الصالات والحوانيت والبيوت،في هرج ومرج، مما يجري على المسرح.
كان المسرح الكشفي، يعري وجه القرية الحقيقي، بكل مكوناتها،خارج الحقول والبساتين. كان يجسد صورة البلد. وكانت فرق الدبكة والغناء التمثيلي، أكثر ما يدهش أهل القرية وضيوفها.
كانت الإنتقادات مسموعة. وكانت النكات المرة، لها طعم الرسالة. وكان الغمز واللمز، يطال من أصحاب الصفات المرموقة. لكن جميعهم كان يضحك. حتى الذي إحمر وجهه لضربة كف، أو لشطبة سكين، أو لطلق ناري.
وفجأة قفز أحد الممثلين على رأس مجموعة من الطلاب، تطالب رئيس المخفر أن يسهر على الأمن، وأن يفتح رجاله عيونهم في السهر على أمن القرية. وتطالب رئيس البلدية بالإصلاح، وبعدم إرسال الشبيحة وراء الناس، وسلبهم أتعابهم. وتطالب مدير المدرسة، بالتوقف عن كل عمل شائن، لأنه من صفة المربين، وأن يمتنع عن ممالأة الوجهاء المقدمين، وأصحاب الوظيفة، وأهل النفوذ. وعدم الوشاية بهم، وتلفيق الأخبار بحقهم. وكانت تطالب المختار، أن يرعى شؤون الناس، وأن يكون أخا صالحا للجميع.
وسرعان، ما تقدمت فرقة تهدئ الخواطر وتصلح ذات البين. وتنادي على الطلاب المتظاهرين بالعودة إلى الهدوء والإنضباط.
وتسلل من بين هؤلاء، من رمى على المتظاهرين. فإنكب أحدهم على ذقنه. ووجم الناس، ووجم الممثلون. وأصابت الجميع غمامة سوداء.
كان لا بد من حل المسألة. فإنبرى من بين الجميع ممثل ب”صفة حكيم” البلدة. دنا من الرجل الصريع. جثه بخفة. ونهض عنه وهو يبشر القوم: “ما مات… ما مات… ساعتو ماشية”.
ماذا تريدون أن يفعل الرئيس نجيب ميقاتي أكثر من ذلك، وهو يرى البلد ينكب على ذقنه صريعا، بين أيدي المتراشقين. يكاد يختنق بالأحقاد. ويكاد يموت بخطاب الكراهية. ويكاد أهله، يسيرون في جنازات بعضهم بكل إعتداد.
حقا ماذا تريدون من الرئيس نجيب ميقاتي، وهو ينظر إلى الريح تضرب لبنان من كل الجهات، وتهزه هزا عنيفا. وتضرب حكومته وتشلها، وهي في الأسابيع الأولى من حياتها. ويسمع بأذنيه، الفحيح، والزئير والصرير والخوار والنهيق، والمواء والعواء والنقيق. يسمع كل صوت يأتيه من قدامه، يسمع كل صوت يأتيه من خلفه. يسمع كل صوت ياتيه عن يمينه. و يسمع كل صوت يأتيه عن شماله. ثم يأتيه صوت يدعو لبنان لوضع رأسه تحت جناحيه، ك”مالك الحزين”، حتى يسهل على الثعلب، الوثوب عليه.
حقا، ماذا تريدون من الرئيس نجيب ميقاتي، وهو يرى إلى كل ذلك من حوله. وهو يرى إلى كل ذلك في الآفاق. وهو يرى إلى كل ذلك يلوح في الأفق البعيد، إلا أن يفسح لصوت العقل، ولبرهة إفاقة من الغيبوبة القاتلة التي شلت البلد، غير أن يجرؤ على المتربصين : أن “الحكومة ما ماتت… الحكومة ساعتها ماشية..”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.