اخبار لبنان ??

الهوية الوطنية اللبنانية… عناصر مفقودة ومصير مجهول

الشمال نيوز – عامر الشعار

الهوية الوطنية اللبنانية… عناصر مفقودة ومصير مجهول

تحتل مسألة الهوية الوطنية في المجتمعات التعددية حيّزًا واسعًا من النقاش والتداول بين النخب والباحثين في شؤون السياسة والتاريخ، خصوصًا في مجتمع تعددي كالمجتمع اللبناني، الذي يتألّف نسيجه من ثماني عشرة طائفة ذات ثقافات غير متجانسة، والتي غالبًا ما يتفوّق إنتمائها الطائفي على إنتمائها الوطني.

وفيما نشهد اليوم “نقطة تحول تاريخية في هويتنا الوطنية الواقعة في دائرة الخطر الدائم”، كما عبّرت مديرة “مركز الأوسط للأبحاث للأبحاث والدراسات الإستراتيجية” الدكتورة جومانا الدبس، اطلق المركز يوم الأربعاء 12 أيار ندوة افتراضية عبر الإنترنت تحت عنوان “الهوية الوطنية اللبنانية في خطر” بهدف تسليط الضوء بشكل معمّق على اشكالية الهوية الوطنية في لبنان.

هل نحن متصالحون مع ميثاق 1943؟ هل التعايش ممكن بين الجماعات الثقافية في لبنان؟ وماذا يعني ان تكون لبناني بعد مئة عام من نشوء هذا الكيان؟ تساؤلات عديدة طرحتها اخصائية علم النفس السريري والمعالجة النفسية سارة في خوّام في سياق ادارتها للندوة، مؤكدةً أنّ “ما نعيشه اليوم هو ترجمة لأزمة هوية أكثر مما هي أزمة سياسية أو اقتصادية”.

وللإجابة على الإشكاليات المطروحة، والبحث في جوانب الهوية الدينية والتاريخية واللغوية والفردية والجماعية، استضاف “مركز الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات الإستراتيجية” مجموعة من الباحثين في السياسة والتاريخ من اجل تشخيص ازمة الهوية التي نعيشها اليوم. وللاضاءة على جذور الهوية اللبنانية حاورت خوّام الصحافي والمحاضر في جامعة القديس يوسف ميشال توما، والذي ارتكزت مداخلته على شرح العلاقة بين الهوية والطائفية السياسية في لبنان.

وأوضح توما أنه وعلى الرغم من وقع تعبير “الطائفية السياسية” غير المحبّب، إلّا انه وبكل بساطة يعني “مشاركة الجماعات الطائفية في السلطة وعملية صنع القرار”، لافتًا الى “العلاقة عضوية بين المواطن والدين خصوصًا في دول الشرق الاوسط حيث منبع الاديان السماوية. وبالاضافة الى الدين، فإن مفاهيم العائلة والقبيلة والعشيرة تنال حيزًا واسعًا من سلم الانتماءات في لبنان، حيث تُشكّل العصبية عنصر انتماء لدى هذه العائلات والعشائر”.

ويُرجع توما جذور تشكّل الهويات المجتمعية المتعددة الى التعددية الطائفية إبان الفتح الاسلامي، الذي “صنّف المواطنين بين مؤمنين من جهة، ومن جهة أخرى ذميين حافظوا على معتقداتهم وثقافتهم، ما خلق وضعية قانونية سمحت لنشوء هويات مجتمعية متمايزة، خصوصًا لدى اليهود والمسيحيين. بالاضافة الى ذلك، شكّل لبنان، وبسبب طبيعته الجغرافية، ملجأ للأقليات الدينية، فساهمت هذه الطبيعة بالحفاظ على العصبية لدى الجماعات الطائفية وخلقت هويات مبنية على الانتماء الديني”.

ويضيف توما: “لاحقًا عزّز العثماني دور الطوائف من خلال تكليفهم مهمة ادارة جبل لبنان، بدءًا من نظام القائمقاميتين الذي اعطى الحق للمجوعات الدينية بادارة شؤونها المدنية، ولاحقًا من خلال المتصرفية التي مأسست الطائفية ضمن مجلس تمثيلي للطوائف الأساسية في جبل لبنان”.

كما أشار توما الى أنه لاحقًا، وعند وضع الدستور، “أُعطيت الطوائف حقها في اداراة شؤونها، كما كُرّست حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، فجاء الدستور ترجمةً واعترافًا واضحًا لتعددية المجتمع اللبناني الثقافية، والتي لا يمكن لأي حلّ لأزمة الهوية اللبنانية إلّا ان يأخذها بعين الاعتبار”.

لكن هل فعلًا تم احترام ثقافات الطوائف اللبنانية ضمن الكيان الجديد، وهل اعترفت الجماعات بثقافات بعضها البعض، وتصالحت مع تمايزها؟ يقول المؤرخ “ميلان هوبل”: “الخطوة الأولى في تصفية الشعب هي محو ذاكرته. دمّروا كتبه وثقافته وتاريخه، ثم أطلب من شخصٍ ما أن يكتب كتبًا جديدة، ويصنع ثقافة جديدة، ويبتكر تاريخًا جديدًا. قبل مضي وقت طويل ستبدأ الأمة في نسيان ما هي عليه وما كان عليه”. اقتبس الباحث في شؤون الهوية الدكتور امين اسكندر هذه المقولة معتبرًا انها تصوير حقيقي ومثال حيّ لما جرى في جبل لبنان قُبيل انشاء لبنان الكبير. فقد تركزت مداخلة اسكندر في هذه الندوة على البعد اللغوي للهوية، معتبرًا اللغة “عاملًا جوهريًا في أساس الهوية الوطنية، فهي تساهم في بناء تصوّرنا للعالم وعلاقتنا به، كما تعكس الثقافة والايمان والدين والتاريخ والهوية الوطنية”.

واستندت مقاربة اسكندر على وجود تعددية لغوية في لبنان، إنما جرى “طمس ومحو اللغة اللسريانية التي شكلت محور ثقافة الجماعة المسيحية التي عاشت على هذه الارض”، مستشهدًا بالديبلوماسي النمساوي “ريتشارد فون مترنيخ”، الذي اوضح الفارق الثقافي الجوهري بين شعب جبل لبنان وباقي بلاد الشام في القرن التاسع عشر. كما أكّد اسكندر موقفه من خلال مقولة للمؤرخ والكاتب الفرنسي “إرنست رينان” الذي أشار الى أنه “تحت اسم السريانية والمتعارف عليها بلهجة سكان لبنان، عبر الفينيقيون العصور الوسطى”.

ويشير اسكندر الى أن هذه التعددية اللغوية تمّ “محوها مع اعلان لبنان دولة لبنان الكبير وفرض هوية مزوّرة، حيث لم يتم الاعتراف بها كلغة رسمية في الدولة الحديثة”، محمّلًا بعض المسيحيين مسؤولية التضحية باللغة السريانية على حساب النهضة العربية، اذ ومع بدء تراجع السلطنة المسيحية “عمل المسيحيون على انعاش اللغة الغربية بدل اللغة السريانية، والتي كان من الممكن ان تعكس بشكل أدق وأعمق وافضل تطلعاتهم وطموحاتهم وهويتهم”.

وختم اسكندر بضرورة احياء العنصر اللغوي في الثقافة، أي اللغة السريانية، كحق من الحقوق الثقافية التي تمّ “نزعها عنوةً من الجماعة المسيحية”، معتبرًا أنه “عندما نغيّر لغة شخص نكون قد غيّرنا كيفية فهمه للعالم، كما طريقة رؤيته لنفسه ولمجتمعه”، رافضًا حجج عدم فهمها من الآخرين، وأضاف: “تخيّلوا أن دولًا اوروبية كإيطاليا او بولندا قرّرت فجأةً التوقف عن تعليم لغتها المحلية تحت ذريعة انها غير مجدية، أو أن ما من أحد سواهم في هذا العالم يفهمها”.

واستطردت ساندرا خوّام في مسألة عمق هذه التعددية، معتبرةً أنه وعلى الرغم من عدم ظهور بعض عناصرها بشكل دائم، “انّما تطفو تلك العناصر بين الحين والآخر على سطح التباينات، كما حصل بعد فترة وجيزة من انطلاق الحراك الشعبي في 17 تشرين الاول من العام 2019”. فقد أشارت خوّام الى أنه وفي الأسابيع الاولى من الانتفاضة الشعبية، عشنا ما يشبه “شهر العسل الوطني”، حيث اعتبر المشاركون انهم من خلال هذه الانتفاضة استطاعوا رمي انتماءاتهم الدينية والسياسية ورائهم، بالاضافة الى تكوين عائلة لبنانية واحدة وموحدة. وتضيف خوام: “انتهى شهر العسل بعد بضعة اسابيع، وعاد اللبنانيون الى واقعهم وانقساماتهم، وتحوّلنا من شارع واحد الى عدة شوارع متجابهة. بحثت عن الاسباب فتبيّن أنه لا مفرّ من الاعتراف بأن لكل مجموعة خصائصها الثقافية وقيمها الخاصة، شعارتها، لهجتها وحتى ملبسها”. واعتبرت أن الثورة بشعارتها الوحدوية أمرٌ شبه مستحيل في لبنان، “فالخوف من التخلي عن الجماعة التي ننتمي اليها يحتّم العودة الى جذور المشكلة”. واضافت: “لدينا مجموعات ثقافية تعيش على ارض واحدة، فكيف يمكننا ترك هوياتنا الخاصة وبناء امة واحدة؟ هل يمكننا التوافق على اهداف مشتركة إن لم يكن لدينا هوية مشتركة وقيم مشتركة؟ وكيف يمكن وضع هذه الهويات المجتمعية في اطار واحد؟

وللاجابة على هذه التساؤلات سعى الناشط السياسي اياد بستاني الى اقتراح تصور تعايشي بين الجماعات الثقافية المختلفة والمتعددة في لبنان، تصوّرٌ قادر في الوقت نفسه ان يُجنّب تلك الجماعات جولات العنف والحروب في ما بينها بين الحين والاخر.

انطلقت مقاربة بستاني من خلال التمييز بين الهوية الفردية والهوية الجماعية. فهذه الأخيرة بالنسبة لبستاني هي “نظرة مشتركة للجماعة حول علاقتها مع العالم الخارجي، كما تختزن القيم المشتركة وتعطيهم معنى لحياتهم، وترسم لهم السردية التاريخية التي تشكل بدورها نظرتهم وقراءتهم للتاريخ”. انما في لبنان لدينا أربع سرديات وطنية، يوضح بستاني، فبرأيه أن “لبنان الجديد افتقد الى سردية وطنية موحدة، فحاول بعد المؤرخين اعادة السردية الى جذورها الفينيقية من اجل نزع الصبغة الطائفية عن المجتمع اللبناني”.

واعتبر بستاني أننا كلبنانيين “نعيش في دولة فاشلة، ربما لأن هذه الدولة تم تشكيلها من قبل جماعات تختلف بمنظورها للتاريخ، فما الحل”؟ لا ينفي بستاني أن “العلمانية ليس بعيدة عن المفهوم المسيحي لإدارة شؤون الدولة، إنما تتناقض مع الفقه الاسلامي، وبالتالي يجب بناء دولة تستطيع ان تحتضن جميع الجماعات حسب معتقداتها، وبالتالي فإن الحل لإدارة التعدد الثقافي هو من خلال السماح بالديمقراطية المحلية”.

ماذا نعني بالديمقراطية المحلية؟ وهل تختلف عن المفهوم الشائع للديمقراطية؟ يحيلنا بستاني الى تعريف المنظر السياسي “ألكسيس دو توكفيل” للديمقراطية التي عرّفها بـ”دكتاتورية الأكثرية”. وعليه، يرى أنه “في حال تطبيق هذا المفهوم على “دوائر” متعددة الثقافات ستنتهي بدكتاتورية وتسلّط الجماعة الأكثرية على الجماعة الأقلية”. اضافةً الى ذلك، فإن “أحد عناصر الديمقراطية هو تداول السلطة، انمّا في هذه الحالة لا يمكن للأقلية ان تصل الى السلطة الّا في حال التغيير الديمغرافي”.

وختم بستاني مداخلته، معتبرًا أن الحلّ لهذه المعضلة يكمن من خلال “اللامركزية السياسية والادارية، بالاضافة الى تطبيق الديمقراطية داخل الجماعات الثقافية، وبالتالي يمكننا الوصول الى منتظم سياسي قابل للحياة في مجمتع متعدد ثقافيًا، تستطيع أن تتعايش ضمنه جميع المكوّنات باستقرار وسلام”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى