ثقافة وفنون

درسُ الببغاء l المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

درسُ الببغاء l المحامي عبدالله الحموي

بزغ الفجر وانبلج نور الصُبح . الطقس الربيعي يغري بالدراسة على الشرفة قبل دبيب الشارع بالضجيج , وعلى مَقرُبَةٍ مني طائِر ببغاء لا يحلو الدرس بغيابه.هو أكثر من رفيق عمر لأن دخوله المنزل كان قد حصل قبل ولادتي. أواسط ثمانينات القرن الماضي يشيع نوع من الصفير صاك للآذان ابتكره بعض المشاغبون . أحد هؤلاء يقترب من المبنى حيث أجلس ويرسل تلك الصفارة المروعة لرفيق له قاطن في الطابق الثامن من المبنى المجاور متجاهلا جهاز الإتصال الداخلي . يستقيظ بعض الجوار قبل المُنادى وهم في حالة امتعاض دون تجرؤ أحدهم على الإستنكار, إذ كان فلتان ذاك الزمان ما يجعل المرء يخشى حتى من ظله.

ما أن استشعرت أذان الببغاء صوت الصفير حتى عاجله برد فيه إعلان للنفير, ما أثار سخط المنادي فأوقع في روعه أن زميلاً له في الشغب يطلب النزال. افتتحت مبارزة مع طير لم يكن في مرمى العين عند أحد طرفيها الذي كان كلما التفت لجهة مصدر الصوت وجد طالباً جالساً بهدوء يُمسِكُ نفسه عن الضحك, دون طير وُضع في زاوية للشُرفة. إن هي الا دقائق معدودات حتى نزل المُنادى لِيَجِدَ رفيقَهُ في حالِ حصارٍ يحتاج فَكُهُ لإسناد. تَتَشكلُ على الفورِ جبهتان: اثنان من البشر بوجهِ كائن من الطير. لِتبدأ , مِن ثَم, حرب صفيرٍ لا تغطيها وسائل إعلام أو تدونها كتب تاريخ كالذي كنت أقرأ , لهذا طرحت الكتاب جانبا لتلقن درس في الحياة مفاده أن بعضاً من بني آدم يعترضون على إكرام الخالق لهم من خلال الهبوط الى مستوى مخلوق سَخَرَهُ الله للطبيعَةِ والإنسان . مُواجَهَةٌ غير مُتكافئة حَوَلَت الشارع الى ميدانٍ قَلَبَ وُجوه الساخطين من الجيران الى ساخرين. لم يستطع إثنان مِن الشُبان مُجاراة مَخلوق في إحدى خاصيات صِفاته: الصَفير. ولن يستطيعا حتى ولو بِجمعٍ غَفير, فانسحبا مُندَحِرَين , يجران أذيال الخيبة وقد استوطن لسانهما الشَتمُ وقُبحُ التعبير , كذلِكَ حال كل مهزوم, فيما صفير الطائر المسكين يَمخَرُ عِبابَ الأجواء معلناً النَصر.

لا تَجعَلُكَ غَرابَةُ مشهدٍ مُماثِل مُتمَسِكاً بِتَصَفُح كِتاب مهما اقترب مَوعِد الإمتحانات, فالعبرة التي لَقَنَني إياها الببغاء صبيحة ذاك اليوم لا تُدَرَس في الكُتب. كنتُ أعلمُ بأن البَشر يقوم أمثالهم على تأديبهم لكن سلوك البَبَغاء أنبأني بأن من اختارَ طريق الشَقاوة لا يَستَحِق أن يقومَ على تأديبه أكثر من مُجَرَد مخلوق دونَ بَني البَشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى