اخبار عكار والشمال

الدكتور محمود حمد سليمان نبع عطاءٍ لا ينضب

الشمال نيوز – عامر الشعار

الدكتور محمود حمد سليمان نبع عطاءٍ لا ينضب

غادرنا فجر اليوم الخميس ١٧ رمضان ١٤٤٢ هجرية الموافق فيه ٢٩-٤-٢٠٢١م حبيبٌ وأخٌ هو المرحوم الأديب والكاتب والمربّي الدكتور محمود حمد سليمان.
المرحوم وأنا من بلدتيْن متجاورتيْن وقد قامت علاقتنا منذ الطفولة وقد أتمّت عامها الستّين، وفي هذه السنوات الستّين عشنا حلو الحياة ومرّها، وكنّا مع إخوة آخرين وأخوات شركاء نضال، فكراً وممارسةً، وقد دخلتُ ثانويّة حلبا الرسميّة خريف ١٩٦٨ وبعد سنة التحق بالركب الحبيب المناضل المرحوم الدكتور محمود حمد سليمان، وشكّلنا مع كوكبة من العكّاريّين انطلاقة ثوريّة تسترشد بفكر وتجربة جمال عبدالناصر، فكانت لنا نضالات من أجل التعليم والتربية والقضايا الوطنيّة والعربيّة وبشكلٍ خاصّ الانخراط في مسار خيار المقاومة ضدّ الكيان الصهيونيّ الغاصب.
وقد تواصل نضالنا معاً من خلال المؤتمر الشعبي اللبناني ومؤسّساته فكان فقيدنا الغالي مثالاً متميّزاً للمناضل المعطاء والثوريّ الصلب الذي لا يهاب التحدّيات، ولا كانت عنده حساباتٌ شخصيّة في أيّ موقفٍ أو محطّةٍ. وتشهد ساحات لبنان كلّه لفقيدنا المناضل الدكتور محمود مواقع ومحطّاتٍ نضاليّة من المقاومة في الجنوب، إلى العمل الإغاثيّ والإسعافيّ زمن الحرب الفتنة في لبنان، حيث كنت تجده يخرج مع إخوانه وأخواته لكلّ مهمّة مطلوبة بلا تردّد ولا كلل، يجمع التبرّعات ويشرف على عمليّات توزيع المساعدات وتدريب الشباب والشابّات على أعمال الإسعاف والتمريض ورعاية المبدعين من خلال المسابقات الخطابيّة، والإسهام في إدخال الطلاّب إلى المدارس والجامعات، كما أنّه حمل مع الجميع همّ أهلنا في وادي خالد، وصولاً إلى نيلهم الجنسيّة اللبنانيّة عام ١٩٩٤ بعد ظلمٍ طويل.
فقيدنا الغالي تشهد له طرابلس أنّه كان يتجوّل مع إخوانه وأخواته في زمن الفتن لنقل الغذاء والدواء والماء إلى كلّ زاوية في المدينة، كما أنّه أوّل من تولّى إدارة مركز ابن سينا الصحّي الاجتماعي في طرابلس التابع لهيئة الإسعاف الشعبي في منطقة التلّ، فكان له فضلٌ وسهمٌ رئيسيٌّ في التأسيس.

وعندما نقول المربّي، فهذه سمته حيث مارس العمليّة التعليميّة في أكثر من مدرسةٍ رسميّةٍ وثانويّةٍ في عكّار، كما أنّه حاضر ودرّس في الجامعة اللبنانيّة- كليّة الآداب- الفرع الثالث- طرابلس، وفي مركز عكّار لمعهد الدعوة الجامعي للدراسات الإسلاميّة، ولم يكن الأخ الحبيب الدكتور محمود مجرّد مدرّسٍ بل كان مربّياً فاضلاً وله بصمات في السمات الشخصيّة لآلاف الطلاّب حيث كان يحمل همّهم، فيجذبُ إلى صفوف التعليم من غادرها، ويسهم مع إخوانه في تقديم الممكن من الدعم الماديّ للطلاّب الفقراء، وكنتَ تجده يتجوّل بين المدن والقرى والبلدات في الشمال، ليزور طلاّبه ويتفاعل مع عائلاتهم من أجل تشجيعهم والأخذ بيدهم إلى النجاح.

الأخ الحبيب الدكتور محمود سليمان كان واحداً من فرسان المنبر، خطابةً وشعراً ومواقفَ جريئة، وكان في كلّ منابره وثمرات قلمه وطنيّاً وحدويّاً عروبيّاً مؤمناً بلا تعصّب، بل نستطيع القول: إنّه واحدٌ من الأعلام الذين أسهموا قولاً وكتابة في ترسيخ الوحدة الوطنيّة وفي مواجهة التعصّب والتطرّف بكلّ ألوانه وأشكاله، ويشهد له بذلك من عرفوه وسمعوه، وما خطّه قلمه من أدبٍ وفكرٍ وشعرٍ وبياناتٍ ومقالاتٍ تذخر بها المكتبات ووسائل التواصل.

أمّا عكّار محافظةً وبلدة، فهو ابن عكّار العتيقة، فقد عشقها، وقدّم لها وُسعَه وجهده في كلّ ميدان استطاع أن يمارس من خلاله الخدمة العامّة، وسطّر في حبّها قصيدةً مشهورةً يعرفها الآلاف تحمل عنوان: (عكّار).
وإذا مشيتَ مع مسيرة حياته المعطاءة باتّجاه التضامن الاجتماعيّ وصلة الرحم فإنّك تجده سبّاقاً لا يبخل بوقتٍ ولا جهد، من أجل التضامن، واللقاء، وعيادة المرضى، ومواساة المحزونين، والاشتراك في كلّ واجبٍ اجتماعيّ، مع تعلّقٍ شديدٍ بالوقوف إلى جانب كبار السنّ والعجزة.

وقد انتشر فقيدنا الغالي المناضل العروبي الناصري الدكتور محمود سليمان خارج لبنان وعلى امتداد الوطن العربيّ يتواصل مع من تيسّر التواصل معهم من المناضلين، محاوراً مقتدراً، وموجّهاً ناجحاً، ومتحدّثاً بليغاً، وكاتباً أجاد وأفاد.

وإذا كان بعض المحبّين قد لقّبوني بلقب عاشق القدس وفلسطين، فإن أخي الحبيب المرحوم الدكتور محمود يفوقني عاطفةً ومشاعر ولهانة بالقدس وفلسطين، ويشهد كلّ من تواصلوا معه عربيّاً ومن كانوا يحضرون معنا اللقاءات التضامنيّة مع فلسطين والقدس، في دارنا المشتركة في حلبا، كيف كان يتميّز بنجوميّة القول من خلال شعره أو حديثه وحواره.

أمّا في الجانب العائليّ، فوالديْه ووالديّ رحمهم الله تعالى كانوا متآخين متحابّين، وورِثنا منهم ذلك، ويعرف جميع منسوبي عائلتيْنا أنّ الحبيب والأخ المرحوم الدكتور محمود بعد وفاة أمّنا الأولى والدته رحمها الله تعالى، كان يواظب على زيارتنا ويصرّ على تقبيل يد والدتي المرحومة المناضلة الحاجة أم علي ويقول لها: أنتِ أمّي البديلة، ولم يتأخّر لحظة عن القيام بواجبه تجاهها عندما تمرض وعندما بقيَتْ لأشهر قبل وفاتها رحمها الله في المستشفى، حيث كان يتقاسم معي ومع أشقّائي وأبنائنا ساعات اليوم في السهر قرب سريرها في المستشفى.
وكان من مشيئة الله تعالى وتوفيقه أن تزوّجنا من شقيقتيْن فازدادت اللحمة وتوثّق النسب، وربّما تعجز المشاعر والكلمات عن التعبير عن ألم المصاب بفقدك أخي الحبيب وقد جاء رحيلكَ اليوم من دنيانا إلى عالم الآخرة بعد رحيل أحبّة سبقوكَ من أخواتٍ فضليات وإخوة أفاضل، وأدعو الله تعالى أن يجمعنا معكم في مستقرّ رحمته.

في رحاب الشهر الأبرك رمضان، شهر الرحمة والمغفرة أدعو الله تعالى أن يعوّضكَ الجنّة، وفي مِثْلِكَ كان الحديث النبويّ الشريف: “مداد العلماء كدماء الشهداء”.
رجاؤنا أن يستجيب الله تعالى لدعائنا فيهبكَ أجر شهيد، وإلى اللقاء معكَ ومع الأحبّة جميعاً في مستقرّ رحمة الله تعالى.

أخوكَ المحبّ أسعد السحمراني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى