ثقافة وفنون

يوم أكِلَ الثور الأبيض I المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

“… يوم أكِلَ الثور الأبيض” I المحامي عبدالله الحموي

يحكي لي والدي (رحمه الله) أنه في باكورة حياته,كثر ترداده إلى العاصمة السورية ,لزوم تجارة كان في تواضعها ما حال دون تملكه سيارة خاصة به آنذاك .فوجد في موقف أجرة “حمص – دمشق” ضالة. ولأن الطريق حينها شاق وطويل , فإن طرد الملل عبر تجاذب أطراف الحديث المتمحور في غالبيته حول الأوضاع السياسة بدا من الضرورة الملحة بمكان . إذ لم تكن المنظومة الاستخباراتية المُحَرِمة لهذا هذا النوع من الحوار قد تطاولت اليها ذراع القمع بعد. كان “حسني الزعيم” قد دَشَنَ عهد الإنقلابات عام 1949 فأجرى انتخابات أفضت ,كما استمرت العادة لاحقاً, على تبوئه سدة الرئاسة .ثار فضول والدي لسبر غور “الرئيس” الجديد فسأل سائق أجرة انبرى كآلة “الفونوغراف” في وصـف مزايا ” الزعيم” , مكيلاً له من الثناء والمديح ما جعل السامعين يظنون بأن “صلاح الدين” قد بُعِثَ من جديد, دون أن يُهمل المتكلم تعداد انجازات لم يتسع لها عهد الممدوح بعد. وظل لسان السائق على هذا المنوال يسابق في دورانه عجلات السيارة في دعائه “للزعيم” بالخير والسداد والتوفيق في حكم البلاد حتى حط الركاب رحالهم أخيرا في مقصدهم, مدينة “دمشق”.

ولأن سِمة أبناء مُعاصِري “النكبة”, مالت نحو تصديق الأحاديث إذ لم يكن الكذب متفشياً في أهل ذاك الزمان , إنطلى الكلام بحرفيته على والدي , حتى صار من المؤمنين بأن “حسني الزعيم” هو “مهدي السياسة المنتظر”.

إن هي إلا أسابيع ويطيح انقلاب “سامي الحناوي” “بالزعيم”, لتُسَطِر نهاية الأخير رصاصات إعدام جعلت حياته في خبر كان , وليبدأ من ثم التهليل والتكبير لعهد جديد. وهو أمر كان والدي عليه من المتحفظين, إستناداً إلى كلام زرعه في ذهنه حديث الأمس.

تشاء الإقدار الإلهية أن يزور الوالد “دمشق” كعادته إنطلاقا من مدينة “حمص” ومع نفس سائق الأجرة الذي من المستبعد أن يحفظ وجوه ركاب له أو كلام . ما أن تحركت عجلات السيارة حتى بادر والدي سائقها بالسؤال: ” كيف فعلتم ما فعلتم مع حاكم جيد كحسني الزعيم؟؟”

وبحماسة مشابهة للحديث الأول إنبرى لسان السائق كآلة التسجيل في سرد مساويء “اللعين” مستفيضاً في شرح “كيف شل الخبيث مؤسسات الدولة ,بإطلاق يد أصحاب النفوذ في نهبهم لخيرات البلاد , وافتتاح البارات والخمارات وأماكن اللهو والفساد التي تنشر الرذيلة وتحط من أخلاق العباد …” ووالدي يستمع مشدوهاً لحديث شخص كان يتكلم بطلاقة الرجل الصادق من كثرة ما أدمن لسانه الكذب حتى صار لنفسه من المصدقين.

ليتنا نستطيع التلطي وراء مقولة :”ما أشبه البارحة بالأمس” رغم اختلاف أساليب التعبير عن جبن يُبقي تبعية لا تُفضي إلا إلى أسوأ , كما هو حالنا اليوم وما قبله. فإن توقفت الأدمغة المرتزقة عن إقامة سباقات النباح في افتداء الحاكم “بالروح والدم”, فإن أصحاب الفكر قد انقسموا إلى فريقين: أول وجد في انضمامه لحاشية الحكام وتشريع مظالمهم مغانماً لا تجلبها له الحرية , وثانٍ توهم في مهادنة الطاغوت والتزام الحيادية ما يصرف عنه شراً وأذية , متناسياً بأن الطواغيت لا يحد بغيهم حدود. وصدق من قال: (( … إنَّما أُكِلْتُ يَومَ أُكِل الثَّورُ الأبيَضُ))

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى