ثقافة وفنون

حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ … l المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

{{… حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ …}} l المحامي عبدالله الحموي

واقعتان محفورتان في ذاكرتي, أولاهما لمراسل فرنسي حلّ ضيفاً على مَنزِلِنا أثناء الحرب المشؤومة فكان من واجب إكرامه, وفقا لمفاهيم أهل الشرق, استنفار حمية أهل البيت الذي تحول الى خلية نحل سعياً لتزيينِ مائدةٍ تُغوي العَين بما يَفيضُ عن حاجةِ المَعِدَة , حتى حَوَلَتها الرعونةُ الى لوحةٍ فَنية بِكُل ما يَحمِلُهُ الوَصف مِن معنى .سؤال للضيف استَرعى انتباهي حين سَلطَ الضوء على سلوكٍ يعاني منها أفرادٌ غير يسيرين من شعوبنا وجماعات في زمن لم يشكل فيه الفقر ظاهرة بعد, وأعني بذلك تقليد فائض الطعام: ” لمن هذا الطعام كله هل تقيمون احتفالا”؟؟
واقعةٌ ثانية حَصَلت مع سائحين عرب قصدوا مطعماً في مدينة “فرانكفورت” فشرعوا في زحم مائدتهم بأطباق فاق محتواها جميع الموائد المحيطة , ما أثار حفيظة رواد دفعت أحدهم للإتصال بالشرطة. وعلى عكس آلية تلبية النداء في لبنان هرعت الدورية خلال دقائق معدودات وقامت بالتحقيق وإذ تبين عدم وجود مخالفة صرخ المتصل بوجه أفرادها قائلا : “إنهم يعتدون على أمننا الغذائي”.
كم سخرنا من مشهد المائدة في الأفلام الأجنبية حين رأينا بعد الفراغ من الطعام استغناء صحون الممثلين عن التنظيف إلا من قليلِ دهنٍ وجراثيم , في الوقت الذي تباهينا فيه بتقليد سخيف حرصنا من خلاله على تخصيص جزء من طعامنا للنفايات هرباً من تهمة حداثة النعمة متجاهلين إرشادات دينية وأخلاقية حضت على حفظِ النعم حفظاً لها من الزوال وأن النبي الكريم (ص) كان يتحرى عدم ترك آثار طعام في طبقه.
تقرير صادر عن منظمة “الفاو” التابعة للأمم المتحدة خلص الى نتيجة مفادها: ” أن ثلث الطعام المنتج للإستهلاك البشري ينتهي في القمامة. مع العلم أن هناك أكثر من مليار جائع” أي بعملية حسابية بسيطة فإن فائض الطعام كفيل بحل مشكلة الجوع العالمية وزيادة.
المعضلة الأساس في المقام الأول , نفسية . وتتمثل بترسبات تراثية وعقدة تباهٍ شلا قدرة التمييز بين مفهومي الكرم والبطر. ناهيك عن أنانيةٍ تزين لنا رؤية مساكين يسعون لفتات موائد أشخاص استبدلوا الذي هو أدنى بخيرٍ كان يُمكِن أن ينالوه بطريقة تحفظ كرامة محتاج دون نقص في أموالهم . لكنها آفة التكبر التي طُرِدَ بسببها “ابليس” من الجنة ومنذ ذلك الحين يجدد قسم تضليل البشرية كل يوم.
لننظر الى المشهد من الزاوية الأقل حدة وصورتها فائض عن مائدة للبارحة يُرسَلُ الى محتاج هو رغم نفوره من قبول “بقايا” طعام سواه فلا يملك خيار رده. ثم لنقلب الصورة ونتخيل إطعام المرسِل لطعام من نفس قوت يومه . ليُظهر لنا تباين الصورتين بوناً شاسعاً بين سلوكين أولهما دفع لإثم وثانيهما تحر لثواب. وشتان ما بين الأمرين. لأن المفاضلة بين مكب النفايات والأفواه الجائعة وإن مَثَّلَ عند ضعفاء الأنفس أهون الشرين لكنه اضطرار يبقى دون خيار الكرام ولا يدني صاحبه من باب مكارم الأخلاق . وصدق الله إذ يقول في محكم تنزيله: {{لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ…}}

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى