إغتراب

كلود ناصيف حرب ابنة أفكار اغترابية وفي الأدب نجمة مضيئة

الشمال نيوز – عامر الشعار

من الأرشيف…
كتب الاديب اللبق الدكتور العبقري
جميل ميلاد الدويهي عن كلود ناصيف حرب ..
كلود ناصيف حرب ابنة أفكار اغترابية
وفي الأدب نجمة مضيئة
ليس مهمّاً في نظري أن يكون الأديب قد كتب عدة كتب في حياته ليحجز له مكانة تحت الشمس، فمن الشعراء من كتبوا قصيدة أو قصيدتين، وبعضهم لم ينشر كتباً، وبعضهم الآخر نشر كتاباً أو اثنين. فالكثرة قد لا تضيف والقلة قد تضيف. المهم أن يقدم الاديب شيئاً جديداً يغْني ويرفع بالكلمة إلى مقام عل. ودائماً يكتنف عملية إصدار كتاب نوع من التعجب والدهشة يصل أحياناً إلى طرح السؤال: هل ما كُتب هو أدب حقاً؟
ولكي أقطع الشك باليقين سأتحدث عن أديبة جديدة، هي في الأصل إعلامية، وأرادت بإصرار وعزيمة وشغف أن ترتفع إلى مدار الأدب، وقد قلت عنها في أمسيتها: لقد بدأت في مكان ما، وما المشكلة إذا بدأ أحدهم في مكان ما؟
وأنا الشاهد على أن كلود أديبة، بما أملكه من علم وخبرة أكاديمية، وتجربة أدبية طويلة، وقرأت لمئات الأدباء، وكتبت مقالات أكاديمية رفيعة عن المتنبي، وامرئ القيس، وأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، وسعيد عقل، وفؤاد سليمان، وغوته… وأعرف الأدب من اللاأدب. وحاضرت مع كبار النقاد والدارسين، ومنذ قرأت لكلود أول مرة، لمحت فيها شعلة أدبية حية تحتاج إلى قليل من التشجيع، فكما لا يصدّق الناس أحياناً الصدق نفسه، فالمبتدئ في أول الطريق قد لا يصدّق الصدق عن ذاته، وأسأل نفسي الآن: لماذ كتبتُ مقدمة لكتاب كلود منذ عام 2015، وكانت لم تنشر في موقعي أفكار اغترابية أكثر من نصّين؟
ويسأل نفر من الناس: هل ساعد الدويهي كلود في شيء؟
لقد أجبت عن هذا السؤال في أمسية كلود نفسها، وقلت: لم يقدم الدويهي إلا بمقدار حبة رمل، وقطرة حبر في بحر أزرق، فكلود صنعت البحر والسفينة وهي البحّار، وسفينتها من ورق وحبر ولن تغرق.
وإن نصوص كلود التي كانت ترسلها إلى موقعي وإلى جريدة المستقبل الأسترالية لم تكن تخضع للتصحيح، بل لبعض الحذف لمقاطع كانت تلقيها في الإذاعة ولا يغلب عليها الطابع الأدبي، وكنا نكتفي بالمقاطع الأدبية لغرض واحد، وهو أن موقع أفكار اغترابية مخصص للأدب الراقي، ولم يحدث مرة أن عدّلنا في نص أو طلبنا من كلود أن تغيّره، أو سمحنا لأنفسنا بأن نمس قدسيته… بالعكس، كنا إذا تاخرت كلود في النشر نسألها، ونطلب منها أن تعود إلى ساحة الأدب، طمعاً في المزيد من كتاباتها، وحرصاً على أن تبقى في المجال الأدبي، وأن تتجاهل في بعض الأحيان صفتها الإعلامية التي تهيمن على العقل وتحد من الإبداع… كل ذلك حدث ما عدا مرة واحدة، عندما كتبت كلود مؤخراً نصاً رائعاً بعنوان “حُبّ أجمل من العمر”، وكانت وحدها تحضّر لأمسيتها، وتجري اتصالات، وتجهز الصالة، والزينة، والمائدة ، والمتكلمين، والقداس، والموسيقى… وما إلى ذلك من تنظيم مضنٍ ومرهق لا يقوى عليه عشرة رجال، فقالت لي إنها تكتب نصّاً لم يرد في كتابها المخملي الراقي “كلمات من أعماق الحبّ”، وإن فكرها في مكان آخر، والتعب يُسيطر عليها، وقرأتْ لي ما كتبته فأعجبتُ به، وبناء على طلبها، أعطيتها ملاحظة أو ملاحظتين لا أكثر.
لست أقول هنا إن كلود ناصيف حرب هي مثل جبران خليل جبران، ولا هي مثل ألبير كامو، أو مارغريت دو ستايل. هي وردة من روح ومشاعر تريد أن تعبّر عن نفسها، وقد ساعدها الكثيرون غيري على هذا التعبير، كلّ محبّ حضر الأمسية ساعد كلود، كل متكلم أو مشجّع أخذ بيدها… أما أن تكون أديبة أم لا، فهذا لا يحكم عليه من ليست عندهم تجربة في الادب، ولا من لم يقرأوا في حياتهم كتاباً، ولا مَن في قلوبهم حقد على كل جمال وإبداع… وكم كنت أتمنى على هؤلاء أن يكونوا منصفين في كل الأمكنة والأزمة، فالكيل بمكيالين لا يفيد مع العارفين بخفايا الأمور وأسرار الكلمة، وقد عجنّا وخبزنا كثيراً من الناس، وبتنا نعرف كيف يفكّرون ولماذا يحتجون هنا ويوافقون هناك. وكم كنا نتمنى أن نرى إبداعاً كل يوم وصدقاً في الأقوال والأفعال، كما فعلت كلود، فقالت وفعلت كما علّمها أفكار اغترابية، لأن القول وحده لا يشفع لأحد، ويبقى كلاماً فارغاً من أي مضمون. وأفكار اغترابية الذي اعتاد على العطاء، سيعطي كثيرين أيضاً، كما أعطى كلود جائزته المرموقه، واعتزّ بها قامة وقيمة.
ويا كلود، لا تلتفتي إلى الوراء ولا تسمعي إلا ما يمليه عليك الضمير، وغداً يوم آخر… واسمحي لي أن أقف مرة أخرى، بصمت ورهبة، أمام قولك:

المدينةُ واسعة،
ولبس فيها أحدٌ
إلاّ أنا وأنت…
أنا الأميرةُ في قلبِك
وأنتَ الملِكُ على حقيقتي.

لماذا تداخلتَ فيّ إلى هذا الحدّ…
لم أرغبَ يوماً
في أن أصيرَ سماء
فصرتُ سماء…
ولم أكن أشتهي أن أصيرَ بحراً
فجعلتَني بحراً
لا شاطئ له…
ولم أكن في ما مضى من الزمان
إلاّ نفسي،
فصرتُ أنت.

اقرأ هذه الكلمات المضيئة، المكتوبة بعطر وندى ربيع، وأؤكد كلما نظرت إليها أن شيئاً جديداً يولد فيها، والأدب الذي لا يتجدد أو يجدد نفسه، لا مكان له في كتاب الخلود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى