زوال لبنان
الشمال نيوز – عامر الشعار
زوال لبنان
مسألة زوال لبنان، وهم يبنى على وهم. طبيعته، خلق خالق. بيده الخلق. ولا راد لخلقه. ولا نقول شيئا زائدا على ذلك. ولا نقض لهذا القول، إلا من داخل المعادلة الطبيعية، التي وجد عليها.
هذا هو القانون الذي صار عليه لبنان. وهو غير قابل للتغير، لا في المدى المنظور. ولا في المدى المعقول. لأنه أصلا، غير قابل لمراجعة النظر، وغير قابل بالمماثل لمراجعة العقل. ولهذا نقول: مسألة زوال لبنان، وهم يبنى على وهم.
تداول اللبنانيون طبيعة لبنان، منذ قديم الزمان. قدره العلماء، منذ العصر الجيولوجي الرابع، وعلى وجه الخصوص، منذ ظهور إنسان “نيادرتال”. قالوا إنهم عثروا عليه، على هذا الإنسان اللبناني الأول، في مغاور وكهوف إنطلياس.
صارت الجماعات البشرية، التي تتداول السكن في كهوفه ومغاوره ووديانه، وقرب ينابيعه وأنهاره، وعلى شواطئه، وفي سهوله، وفوق قنن جباله، تعرف بالجماعات اللبنانية، لإستدامة سكنها في لبنان، تلك الطبيعة التي إشتهرت بالقدامة، لا أكثر ولا أقل.
وجيلا بعد جيل، كان سكان لبنان، يأخذون من كتاب طبيعته، طبيعتهم، حتى صاروا إليه في الإشارة والإنتماء، لا في الهوية ولا في العقيدة ولا في الإيمان.
تداول الطبيعة اللبنانية، في موجات بشرية كثيرة من التاريخ القديم، لم تصنع للبنانيين وحدة يأوون إليها. يعتصمون بها. يستظلونها، في أوقات “الحر” أو في أوقات “القر”. ظلوا على فرقتهم، جماعات جماعات. هذة أتت من هنا، وتلك أتت من هناك.
كانت الطبيعة اللبنانية تعركهم. كانت الطبيعة اللبنانية تعجنهم. كانت نيران البراكين تصهرهم. كانت السيول تحملهم. وكنت الأمواج تجمعهم. فصاروا إذاك، من صنع الطبيعة. من صنع عراكها لهم، ومن صنع عراكهم لها، على حد سواء.
لا شيء إسمه لبنان، إلا هذا الجدال، بين الطبيعة والإنسان. إلا هذا الجدال بين الطبيعة والإله.
أما سائر الأشياء، وسائر الأسماء، فما هي إلا من إختراع الواهمين. إلا من إختراع المتصارعين. إلا من فقه الصراع على لبنان.
توهم الزوال لا يطال الجبال، وإنما يطال الرجال. وهذا شأن الخليقة التي مايزت بين الجبال والرجال.
توهم “زوال لبنان”، لا يقع على طبيعته، لأنها تند عنه حكما. ولكن ما يجري في لبنان، إنما هو إنقلاب على المفاهيم والعقائد. إنما هو إنقلاب على طبيعة الإيمان بلبنان.
صار بعض سكان لبنان، ينظرون إليه منقطعا من الأرض لهم دون سواهم من السكان.
عاشوا على فكرة الحيازة والإثرة. عاشوا على فكرة الإستحواذ . على فكرة الأسر. عاشوا على فكرة نفي الآخر، ولو كان شقا ولو كان شقيقا. ولو كان أخا وصديقا. ولو كان جارا عنيدا.
لا يمكن الحديث مطلقا. ولا بالمطلق، عن زوال لبنان. لأن له ربا يرعاه. ولكن الزوال حكما، يقع على الزائلين. وهم جميع سكان لبنان بلا إستثناء.
فرطوا بسيادة الدولة التي تحمي الحدود. فرطوا بسيادة المؤسسات التي تنظم الحياة العامة فيه.
فرطوا بإنتظام الحياة العامة. عبثوا بها، وكأنهم يعبثون في “مسرح اللامعقول”.
صاروا مجانين سياسة، لا سياسيين. صاروا مجانين التجارات، مجانين الصفقات. مجانين إستقواء ومراهنات على الآخرين.
مجانين أهل السياسة والحكم في لبنان. مجانين أهل الشأن العام. مجانين هؤلاء الذين يتآمرون على البلاد. لحصد خيراتها. لنهب ثرواتها. لسرقة أمولها. لوضع اليد عليها، بلا حسبة ولا حسبان.
مجانين سكان لبنان. لم ينتبهوا بعد، لكثرة الطامعين بلبنان، من قريب ومن بعيد.
لا يفهمون الغيرة الزائفة. ولا يفهمون الصداقة الزائفة. ولا يفهمون الأخوة الزائفة، حتى ولو كانت أخوة في الوطن. أخوة في الدين.!
أهل لبنان، لا يرحمون بعضهم. لا يرحمون أبناءهم. لا يرحمون أجيالهم. لا يرحمون تاريخهم، لا يرحمون بلادهم. لا يرحمون شعبهم.
عبثوا بلبنان، كرامة. عبثوا بلبنان عيشا كريما، طيلة مئة عام. لم يدعوا قذارة إلا إرتكبوها. لم يدعوا جريمة، إلا إنغمسوا فيها. لم يدعوا مؤامرة إلا شاركوا فيها. ولم يفكروا يوما، أن يبنوا دولة. ولا أن يبنوا مؤسسة. ولا أن يحفظوا شرفا. ولا أن يصونوا كرامة. ولا أن يضمدوا جرحا. لم ينتبهوا أن الزوال، يهددهم هم، فيما جنوه على لبنان.
اللبنانيون، كانوا قبيلا من المجرمين، بحق الوطن والإنسان. كانوا قبيلا من المتوحشين وما زالوا، في الإعتداء على الطبيعة التي خلقها الخالق في لبنان.
اللبنانيون، طيلة مائة عام، كانوا يطمرون رؤوسهم في الرمال.
عبثوا وما شبعوا من عبثهم حتى الآن. يساومون. يقامرون. يناكفون. يتآمرون. يذبحون وطنهم من الوريد إلى الوريد. وماإنتبهوا إليه، وهو ينزف في اليدين وفي القدمين، وفي الجبين.
واهمون أهل لبنان. يشكون ويتشاكون، كل يوم. ولا يدرون ماذا جنت أيديهم. ماذا إدخروا لأبنائهم. ماذا قدموا لهم: إلا “ذل السؤال”!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية