مطار القليعات فرصة مؤجلة: أسباب سياسية سرية
مطار القليعات فرصة مؤجلة: أسباب سياسية سرية

الشمال نيوز – عن المدن
بعدما انشغل اللبنانيون بـ”كارثة” طيور النورس التي كانت تحلّق فوق السواحل القريبة من محيط مطار بيروت الدولي، وما شكّلته من خطرٍ على سلامة الطيران المدني، ارتفعت أصوات تطالب بضرورة السعي إلى إيجاد حلٍّ بديل. فاستعاد المطالبون فكرة اعادة فتح مطار الرئيس رنيه معوض في القليعات. وعزز ذلك قول وزير الأشغال يوسف فنيانوس، خلال جلسة مساءلة الحكومة، في 7 شباط، إن “الحكومة تعمل لأن يكون هناك اعادة تشغيل لمطارات القليعات ورياق وحامات”.
هذه اللحظة، التي التقطها المجتمع الأهلي العكاري مع لجنة إنماء وتشغيل مطار القليعات، أستُفيد منها في رفع منسوب الضغط على القيادات السياسية، على أبواب الانتخابات النيابية، وفي تحويل المشروع إلى “طُعم” تختبر به حكومة الرئيس سعد الحريري ومدى جديّة وعودها بتنفيذ مطالب عكار الإنمائيّة، ولاسيما أنّ المنافسة السياسية شمالاً لم تعد سهلة.
ضرورة وطنية
مطار القليعات، وبعدما اقتصر دوره منذ العام 1967، على أن يكون مطاراً عسكرياً ضمن سياسية الدفاع العربي المشترك، سبق أن استعمل كمطار مدني في الثمانينات إلى أواخر العام 1991، إثر التثبّت من إمكانيّاته في استقبال أنواع الطائرات كافة.
وإذا كان الطيران المدني يحتاج إلى مشروع متكامل لتطويره، ثمّة جهودٌ استثنائيّة تبذلها لجنة إنماء وتشغيل مطار القليعات، في جولاتها على السياسيين والبلديات لرفع المخطاطات التي أعدّتها، والتحضير إلى مؤتمرٍ تأسيسي بمشاركة وزراء معنيين واختصاصيين من أجل فرض “أمر واقع”.
وينطلق جمال خضر، وهو من مؤسسي اللجنة، من أهميّة تحويل مطلب تشغيل مطار القليعات إلى “ضرورة وطنية” خارج المفهوم المناطقي. ذلك أن من أهم معايير المنظمة الدولية للطيران المدني، وجود أكثر من مطار في كل بلد حفاظاً على السلامة العامة للمسافرين في حالات الهبوط الاضطراري. ما يجعل مطار القليعات، بما يحظى به من امتيازات، المرشّح الأول، لأن عكار أقرب من قبرص وأولى منها في تلبية هذا الغرض.
النقلة النوعية التي يمكن أن يُحدثها مطار القليعات، “تجعلنا نشعر بخسارة إقفاله”. فـ”جغرافياً، يُعدُّ موقعه أهم من مطار بيروت، إذ لم تنشأ في محيطه الأبنية المعرقلة لحركة الطيران، كما أن وجوده في أرض ساحلية وسط سهل عكار على بعد 105 كلم من بيروت و25 كلم شمال مدينة طرابلس و7 كلم عن الحدود السورية، وارتباطه بشبكة طرق دولية ساحلية وداخلية، وعدم تعرضه للعواصف والتقلبات المناخيّة، يُمكن الطائرات من الهبوط والإقلاع من دون موجّه وأي عائق، لأنّه مجهز برادار (G.G.A) الذي يسمح بالهبوط في أسوأ الأحوال الجوية. وهو يملك أيضاً مدرجاً يبلغ عرضه 60 متراً وطوله 3200 متر يمكن تطويره إلى 4000 متر، وله أيضاً مدرج ثانٍ تتوافر فيه قطع غيار وأجهزة اتصال ورادار أبنية ومستودعات وقود وهنغارات صيانة”، يقول خضر لـ”المدن”.
تحوُّل اقتصادي
سبق للمدير العام السابق للطيران المدنيّ حمدي شوق أن انشغل بالبحث في التفاصيل الفنية والتقنية والتجهيزات اللوجستية لملف مطار القليعات. وهو قدم أخيراً مقترحات عدة، جاءت في سياق دراسته عن “مثلث الشحن العربي”، بين دبي وجدة والقليعات، التي تسلط الضوء على دور المطار في الشحن والنقل والتجارة. ويوضح شوق: “عندما تُفرغ في ميناء طرابلس الحمولات الآتية على البواخر والسفن من المتوسط، يمكن نقلها بواسطة قطار يمتد من طرابلس إلى القليعات وبعدها جواً إلى الخليج. فضلاً عن استغلاله في نقل محاصيل عكار الزراعية، وإمكانية إنشاء معبر حدودي مخصّص للشاحنات التي تنقل البضائع بين لبنان وسورية ودول عربية أخرى”.
وفي حين أن مطار القليعات يندرج على لائحة المطالب “الميمية” (معرض، مرفأ، محطة ومطار) لتشغيل المرافق في الشمال، يشير رئيس غرفة التجارة والصناعة في الشمال توفيق دبّوسي، لـ”المدن”، إلى أن الحديث عن مطار القليعات لن يدخل حيز “الجدية” ما لم يتحول إلى ملف رسمي على جدول أعمال الحكومة، “لأن الحاجة إليه أصبحت ملحة أكثر من أي وقت”. يضيف: “في إمكان مطار القليعات أن يتحول إلى مصدر ربح وفير لخزينة الدولة ويفتح باب الاستثمار أمام الأجانب. وسيتيح فرص عمل في المرحلة الأولى لما لا يقل عن 6000 شخص، وإذا انتهى الاستثمار سيصل عدد فرص العمل إلى 21000 فرصة. وهذا ما قلناه لرئيس الجمهورية ميشال عون عندما زرناه”.
وعن عمليات إعادة الإعمار في سوريا والعراق، يضيف دبوسي: “ستكون مرافق طرابلس والشمال، بما فيها مطار القليعات، ممراً ضرورياً، سيشكل نهضة اقتصادية نوعية في لبنان. وقد تواصلنا مع البنك الدولي والشركات الكبرى في الصين واليابان وغيرهما، وستعتمد الشمال قاعدة الانطلاق لمشروع إعادة الإعمار. ما يفسح المجال أمامنا في إنشاء مركز جمركي حدودي مجهز بغية مراقبة الشاحنات العابرة ومعاينتها وإنجاز معاملاتها الجمركية، بما سيسهل حركة النقل ويعزز فرصة تخصيص المطار للشحن”.
الإذن السوري والتشريع
لكن ما سبق ذكره، لا يمكن أن ينفذ ما لم تأخذ الحكومة اللبنانية “إذن المواقفة” من الحكومة السورية. ذلك أنّ حركة الملاحة والخطوط الجوية في مطار القليعات ستمرّ في الأجواء السورية عبر اللاذقية. فضلاً عن حاجة المشروع إلى موافقة مجلسي الوزراء والنواب، واصدار قانون التلزيم. ويشير الوزير معين المرعبي، لـ”المدن”، إلى أن الوضع الأمني في سوريا حالياً لن يسمح بافتتاح مطار القليعات، وقد يلقى رفضاً. لكن من الناحية التشريعية “لا مشكلة، لكن عملية تفعيله تحتاج إلى إنشاء الهيئة العامة الناظمة للطيران المدني، ومن ثم تلزيم شركة لبدء العمل بعد طرح المناقصات”. فـ”مطار القليعات هو مطار مدني حائز التوصيفات اللازمة منذ تأسيسه، وليس مقراً عسكرياً رغم وجود قاعدة القليعات العسكرية”.
وعن وجود عراقيل سياسية، يتابع المرعبي: “تبقى الأسباب السياسية التي تمنع تشغيل المطار سريّة وغير معلنة، ونحن نعلمها. وعندما تتوفر الظروف المناسبة لن تستطيع أي جهة سياسية أن تقف في وجه ذلك. فمنفعته لا تقتصر على الشمال فحسب، فهو حاجة لمطار بيروت وسيكون مكملاً يخفف الضغط الواقع عليه. وقد تناقشنا حوله مع الرئيس سعد الحريري ووزير الأشغال، ولم نجد مانعاً حكومياً لفتحه”.