اخبار عكار والشمال

الشيخ القاضي خلدون عريمط: اليوم الوطني السعودي هو يوم العروبة والايمان

الشمال نيوز – عامر الشعار

منذ ما يزيد عن الـ89 عاماً، ومع بداية القرن العشرين الماضي، وفي قمة الصراع الإنكليزي – الفرنسي على تقاسم البلدان العربية والإسلامية، نتيجة انهيار الدولة العثمانية التي حفظت بلاد العرب والمسلمين ما يقارب الستمائة وخمسين عاماً، استطاع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله، أن يصنع من الإحباط قوّة، ومن الهزيمة نصراً، ومن الفِرقة وحدةً، بتوحيده لمناطق المملكة العربية السعودية المترامية الأطراف، بعد كفاحٍ وجهاد، ودموع ودماءٍ، وجراحات وإرهاق استمر ما يزيد على الثلاثين عاماً، قضى الملك المؤسّس أكثرها قائداً ومقاتلاً على صهوة جواده العربي، ومعه فِتية من إخوانه أحرار العرب الذين آمنوا بربّهم وثاروا على الاحتلال والتقسيم والتقاسم، رافعين راية التوحيد، وداعين الى الوحدة والتكامل والتلاقي بين أبناء الجزيرة العربية بكل مكوناتها، انطلاقاً من نداء ربِّ العالمين (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا).
ودعا خلالها الملك المؤسس أبناء البوادي والقبائل والمناطق والمشيخات للخروج من جاهلية الاقتتال والثأر، والثأر المضاد، ومن ترّهات البِدع والتقاليد التي نشرها المشعوذون والجَهَلة وأنصاف الأميّين، ودعا الجميع للعودة الى سماحة الإسلام وإنسانية العقيدة،والالتزام بشرع الله وسنّة نبيّه المصطفى عليه الصلاة والسلام، للعمل سوياً لبناء دولة الإيمان وكرامة الإنسان على الأرض المباركة، التي بزغت من بين جنباتها وشعاب أوديتها رسالة الإسلام التي جاء بها نبيّ الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام. وبذلك أكد الملك المؤسّس الغاية التي من أجلها دخل مدينة الرياض في 15 يناير عام 1902 ميلادي، واتخذ من قلعة «المصمّك» مقراً له ولرجاله الستيّن مقاتلاً، وليكون هذا الدخول الخطوة الأولى على طريق تأسيس دولة الإيمان لخدمة العرب والمسلمين والناس جميعاً.
فقد توقف المؤرخون عند هذا الحدث التاريخي الذي خرج من قلب جزيرة العرب وأدى لولادة المملكة العربية السعودية، لتكون أكبر كيان عربي إسلامي تجاوزت مساحتها 2 مليون كلم مربع على أكثرية مساحة الجزيرة العربية.ولم يقتصر دور المملكة آنذاك على الجزيرة العربية فحسب، وإنما امتدت تأثيراتها الى معظم أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، من خلال الدعوة التي أطلقها حينها الملك المؤسّس عام 1345هـ – 1926م من مكة المكرّمة لتلاقي وتضامن العرب والمسلمين، في أول مؤتمر إسلامي عالمي في تاريخ المسلمين بعد الحرب العالمية الأولى.
هذا التوجه التكاملي والتضامني بين العرب والمسلمين، استمر نهجاً صادقاً ومخلصاً لأبناء الملك عبد العزيز الملوك البرَرة منذ الملك سعود مروراً بالملك فيصل والملك خالد، والملك فهد والملك عبدالله واستمراراً مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ووليّ عهده الأمين وإخوانهم الأمراء، وشعب المملكة العربية السعودية، الذي حمل قضية فلسطين وشعبها منذ نشأتها ولا زال متمسكاً بتحرير فلسطين، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وحمل معها قضايا العرب والمسلمين في كل بلدانهم وتجمعاتهم، مقدماً النُصح والدعم والمساندة والمؤازرة لكل الشعوب العربية والإسلامية وحكامها وحكوماتها، مع الحرص على عدم التدخل بشؤونها أياً كانت هذه الدول أو البلدان.
وها هو اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية يطل علينا في هذه الأيام الذي تتعرض فيه المملكة العربية السعودية قيادة وشعباً وجيشاً، ومعها دول الخليج العربي لحملاتٍ سياسية وأمنية وإعلامية موجّهة، تحركها أصابع صنّاع القرار في إيران، وتنفّذها وتسوّقها الأذرع العسكرية والأمنية والإعلامية للمشروع الصفوي الإيراني، الذي يستهدف بلاد العرب عقيدةً وتاريخاً ودوراً ووجوداً بحجّة مقاومة العدو الصهيوني ومشروعه الاستيطاني في فلسطين.
ومن هنا يتبيّن بوضوح المشروع الإيراني الفارسي الذي لم يتغيّر سواء كانت إيران الشاه أو إيران الخميني أوالخامنئي.والمشروع الفارسي في شرق الوطن العربي هو حكماً كالمشروع التلمودي في فلسطين، كلاهما يشكل خطراً على العروبة وحواضرها وعواصمها التي حملت رسالة الإسلام الحنيف، إسلام التوحيد والمحبة والرحمة واحترام الآخر واحتضانه أياًّ كان فكرياً أو عقائدياً أو عرقياً، وكِلا المشروعين الفارسي والتلمودي سيتعارضان بل وسيعاديان مملكة العروبة ودولة الإسلام التي يقودها بحكمة وشجاعة وصبر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان وحكومته الرشيدة. وما يحدث في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين مؤشر على تواطؤ المشروعين الفارسي والتلمودي رغم اختلافهما أحياناً على تقاسم المصالح في شرقنا العربي والإسلامي.
وفي اليوم الوطني السعودي، يتذكر اللبنانيون ومعهم القيادات الخيّرة الحرة، عشرات السنين الصعبة التي احتضنت فيه المملكة العربية السعودية وقيادتها لبنان وشعبه في كل المحطات والأزمات التي عانى منها لبنان شعباً وحكومة وقيادات، سواء في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، وحتى بمواجهة التدخل في الشأن اللبناني من بعض القوى الإقليمية وخاصة إيران التي تريد من هذا الوطن أن يكون ساحة لتصفية الحسابات ولتوجيه الرسائل الحارقة عربياً ودولياً ..
فلبنان الأرض والإنسان والكيان العربي المستقل، هذا ما تريده المملكة العربية السعودية وقيادتها للبنان، الذي أحبَّ المملكة وبادلته المملكة العربية السعودية حبّاً بحب، ووفاءً بوفاء، رافضة باستمرار العدوان الإسرائيلي والنفوذ الإيراني والابتزاز الأميركي حفاظاً على مصلحة لبنان وشعبه، وحكمه وحكومته.
في اليوم الوطني للعربية السعودية نشعر بأن هذا اليوم بقدر ما هو يوم للوطنية في المملكة العربية السعودية، فهو يوم مجيد لكل مواطن عربي، وهو يوم تاريخي لكل مسلم في مشرق الأرض ومغربها، وهو يوم الحرمين الشريفين، وهو يوم الأمن والأمان والسلام لأقدس وأكرم أرضٍ عند المسلمين، وهو يوم الوحدة والتوحيد فيه ارتفعت راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) لتكون علماً للمملكة العربية السعودية، لا ينكّس أو يتراجع شاء من شاء وأبى من أبى، وإنما سيبقى هذا العلم يحمل رسالة الإيمان والتوحيد والخيرية والإنسانية والسلام للمملكة العربية السعودية وشعبها وللعرب والمسلمين وللمجتمع البشري.
في اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية نقف بإجلال واحترام لكل الجنود الذين يدافعون عن أرض الحرمين الشريفين في مواجهة العصابات والمافيات والأذرع العسكرية للمشروع الصفوي الإيراني المعلن، وللمشروع التلمودي الذي يعمل في الخفاء للمزيد من الفتنة بين العرب والعرب، وبين المسلمين والمسلمين، ليتسلّل المشروع الفارسي لشواطئ البحر المتوسط، وليحلم المشروع التلمودي بإقامة الكيانات المذهبية والطائفية والعرقية في شرقنا العربي والإسلامي ليبقى الكيان الصهيوني محتلاً لأرض فلسطين بمساجدها وكنائسها.
وليكن اليوم الوطني السعودي بدايةً ليقظة عربية وإسلامية واعية وواعدة لتبقى بلاد العرب للعرب، وأرض الإسلام للمسلمين.
——————-
الشيخ القاضي خلدون عريمط
* رئيس المركز الإسلامي للدراسات والإعلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى