الدكتور السحمراني: البروفيسور محمد علي شقص كوكب علمائي ونبع عطاء من الصعب تعويضه

الشمال نيوز – عامر الشعار
*البروفيسور محمد علي شقص: كوكب علمائي ونبع عطاء من الصعب تعويضه*
رحل من دار الفناء إلى دار البقاء الأخ الحبيب، والخلّ الوفيّ، ورفيق العمر منذ نزلنا للدراسة في الجامعة اللبنانيّة في بيروت خريف العام ١٩٧١.
الحبيب المرحوم *الأستاذ الدكتور محمّد علي شقص* من مواليد العام ١٩٤٦، وقد ترعرع في منطقة باب الرمل أحد أحياء مدينة طرابلس: مدينة العلم والعلماء، وعرين الوطنيّة، والمقاومة، والعروبة، والتديّن بلا تعصّب، أو تطيّف، أو تمذهب.
وُلِدَ الفقيد الغالي -الذي يستحيل أن يفارق طيفه ذهني وحضوره مشاعري ما بقي لي من سُوَيْعات في دار الدنيا- كمثلي في أسرة تعمل في الزراعة، فوَحَّدَنا الألم، واستفزّتنا التحدّيات، وسَمَت نفسيْنا إلى العلم تحصيلاً وتعليماً وتأليفاً، ولم تَفُتّ قساوة الظروف الاجتماعيّة من عزيمته وعزيمتي حتّى كان لنا ما طمحنا إليه فحصل كلّ منّا درجة الأستاذيّة في اختصاصه (professeur)…
عشنا معاً خمسين سنة في النضال في صفوف *المؤتمر الشعبي اللبناني*، ويعرف كلّ من حولنا أنّنا سويّة مارسنا النضال، ككلّ إخواننا وأخواتنا، النضال بلا تكسّب، وعَمِل كلّ واحد منّا على حمل المنافع للناس.
بعد العودة من فرنسة في العام ١٩٨٧ وَفَد الفقيد الغالي وهي يحمل شهادتيّ دكتوراه في علوم النبات، ودخل سلك التعليم الجامعي في الجامعة اللبنانيّة – كليّة العلوم – الفرع الثالث – طرابلس، وكان أنموذجاً له بصمات لا تُمحى في نفوس طلّابه، وممّا كان يقوم به أثناء البحث في علم النبات أنّه ينقل الطلّاب على نفقته وفي سيّارته لمعاينة النباتات في مواطن ظهورها واستنباتها… وكان يُجري دورات التقوية للطلّاب قبيل الامتحانات في قاعات خاصّة أو في مراكز *اتّحاد الشباب الوطني* في طرابلس وحلبا مركز محافظة عكّار.
وكان من جملة ما يقوم به أن تطوّع معنا في عكّار منذ العام ١٩٩٠ لإجراء دورات تقوية مجانيّة لطلاب الشهادة المتوسطة، وشهادة الثانوية العامّة، ولم يقل يوماً أنا أستاذ جامعي، كيف تطلبون منّي أن أدرّس العلوم لطلّاب صفوف الشهادة المتوسطة او الإعداديّة.
وبعد تشخيص لواقع التعليم أوائل تسعينيّات القرن الماضي اكتشفنا أنّ طلّاب منطقة وادي خالد يحتاجون لدورات تقوية ليفوزوا في امتحانات الشهادتيْن المتوسّطة والثانويّة، فإذا به يبادرني القول: أنا جاهز. وتولّى المهمّة مع إخوة آخرين، ويعرف مئات من تخرّجوا من الجامعات في وادي خالد كيف أنّه كان يعطيهم بشغف ويقدّم الأقلام والقرطاسيّة من جيبه لغير المقتدرين منهم، ويتولّى نقل بعضهم بسيّارته الخاصّة إذا كانوا من قرى مجاورة والطقس ماطر.
وفي دورات مركز حلبا نجده يدعم الطلّاب بالعلم والمساعدات الماديّة، وكذلك ينقل الكثيرين بسيّارته الخاصّة من المركز في حلبا إلى بلداتهم ويتعارف مع أهلهم… ويوم تصدر نتائج الشهادات كان يشاطرنا مهمّة توفير مبالغ ماليّة لشراء هدايا، ويحضر بسيّارته حيث نزور هو وأنا أو هو رحمه الله تعالى وآخرون من المؤسّسة بيوت الطلّاب لنبارك لهم بالنجاح، وكانت تغمره سعادةٌ كبرى حين يتفوّق طلّاب الشهادات الذين أجرينا لهم دورات التقوية المجّانيّة، وهؤلاء آلاف في محافظة عكّار وفي طرابلس ممّن احتلّوا المناصب والمواقع اليوم، وممّن أنهوا دراساتهم العليا.
وعالِمُنا المختصّ بعلم النبات كان يشجّع كثيرين على الزراعة، ويحضر لهم الغراس والشتول والحبوب من جيبه الخاصّ ويقدّمها لهم من غير منّة.
وإذا ذهبنا باتّجاه العمل الخيري والإنفاق فقد كان رحمه الله في حالةٍ لا يجاريها أحد من السخاء في تأهيل المراكز والمستوصفات أو في تقديم العون لعائلات فيها أيتام وفقراء، أو في التبرّع في الإفطارات الرمضانيّة الخيريّة، وأستئذن نَفْسَهُ المطمئنّة في حِمى الخالق سبحانه لأذيع سرًّا هو: أن المرحوم *البروفيسور محمد علي شقص* كان يشاركني مهمّة تأمين مساعداتٍ ماليّةٍ شهريّة أو شبه شهريّة لعائلات، وكان له في ذلك مساهمة ثابتة مع بداية كلّ شهر منذ عشرين سنة حتّى تاريخ دخوله إلى المشفى بعد إصابته رحمه الله تعالى بجائحة كورونا.
والمرحوم *البروفيسور شقص* كان باحثاً جادًّا قدّم في علم النبات أبحاثاً غير مسبوقة، بعددٍ يفوق العشرة أبحاث منشورة في مجلاّت دوليّة محكّمة باللغة الفرنسيّة.
وعلى المستوى المحلّي أصدر في العام ٢٠١٢ كتاباً بالفرنسيّة يقع في ٢٧٢ صفحة عنوانه: Les plantes utiles alimentaires, médicinales et phythochimie du Liban .
وكان له بعد ذلك إنتاج علميّ مميّز جمع مادّته على مدى ٢٥ سنة من السهول والهضاب والجبال في مناطق محافظتيّ الشمال وعكّار، وقد رافقه إخوة كثيرون محبّون إلى مواقع وجود هذه النباتات التي كان يتابعها منذ ظهورها وعلى مراحلها حتّى اليباس، ومع متابعة علميّة بحثيّة متميّزة، كانت ثمرة ذلك موسوعة في علم النبات غير مسبوقة هي:
موسوعة النباتات في بلاد الشام
Encyclopédie des planted dans les pays Al-cham
وتقع الموسوعة في مجلّديْن، يتكوّنان من ١٤٠٨ صفحات، نشرتها دار النفائس في بيروت في العام ٢٠١٧، والموسوعة تحوي مع كلّ نباتٍ صوراً ملوّنةً فيها متابعة لمراحله وفيها: اسم جنس النبات، والاسم المحلّي، والاسم الفرنسي، والاسم الانكليزي، والاسم العلمي اللاتيني، والفصيلة، والتوزيع الجغرافي، وشرح في نصٍّ بالعربيّة وآخر باللغة الفرنسيّة؛ وهذه الموسوعة نالت جائزة النادي الثقافي العربي لأفضل إخراج لكتاب في معرض الكتاب السنوي الذي يقيمه النادي في بيروت في العام ٢٠١٧، كما أنّ الحركة الثقافيّة في لبنان، برئاسة الأديب المرحوم بلال شرارة والمستشارون فيها الشاعر الأمير طارق ناصر الدين والفنّانة التشكيليّة خيرات الزين، قدّمت له درعاً تكريميًّا بمناسبة صدور الموسوعة بعد حفل توقيع أقامته في بيروت.
كلّ هذا العطاء العلميّ قابله تنكّرٌ وظلمٌ من قائمين على الأمر في كليّة العلوم ولجان تقويم البحوث والأعمال للترقية إلى رتبة الأستاذيّة (Prof)، وبعد بلوغه سنّ التقاعد تولّى الأستاذ الدكتور عدنان السيّد حسين رئاسة الجامعة وهو صديق للمرحوم ويعرفه منذ السنوات الأولى في الدراسة الجامعيّة فكان إنصافه بعد التقاعد بتقويم أعماله ومنحه درجة الأستاذيّة (Prof).
أمّا في الجانب العائليّ وصلة الرحم فقد كان فقيدنا الحبيب أنموذجاً طيّباً لما يأمر به الدين من صلة الرحم، ومساعدة ذي القربى، ويظهر ذلك من خلال ثلاثة أمور هي:
١- الإهداء في بداية موسوعة النباتات في بلاد الشام نصّه ما يلي: “إلى روح والديّ الغاليين
إلى إخوتي وأخواتي
إلى أقاربي وأصدقائي
إلى كلّ معلّم كنت تلميذه
وإلى طلاّبي الذين يناضلون في سبيل الحصول على العلم والمعرفة.”
٢- كان رحمه الله تعالى يقدّم لشقيقيْه وشقيقته المقيمة معهما في بيت العائلة ولابنة شقيقه مساعدةً ماليّةً شهريّة سخيّة، إلى يوم دخوله المشفى، كما أنّه كان يتولّى طبابتهم وما يحتاجونه في المناسبات العامّة والخاصّة، هذا وقد تولّى الإنفاق على إبن شقيقه وثلاثة من بنات شقيقيْه طوال تحصيلهم العلمي في مختلف المراحل. هذا غير ما يقوم به من تقديم العون للدائرة الأوسع من عائلته وجيرانه وإخوانه في *المؤتمر الشعبي اللبناني* ومعارفه.
٣- الحرص على التواصل الاجتماعي في المناسبات وغير المناسبات، مع التضامن الذي كان يقدّره له الجميع.
وإذا فتحنا الباب لمسألة الخُلُق ونظافة الكفّ والنزاهة فإنّ الحبيب *البروفيسور محمّد علي شقص* قد شكّل مثالاً رائعاً لمنظومة قيميّة تُرضي الله تعالى وتزرع المحبّة له في قلوب الناس الذين عرفوه، وهذا ما خطّه معزّون أو عبّروا عنه بالاتّصالات الهاتفيّة سواء رفاق درب ومسيرة النضال في *المؤتمر الشعبي اللبناني* ومؤسّساته من كلّ الفئات العمريّة، أو من عرفوه من الدائرة الكبرى، وقد كتب أخٌ كان يعمل في الصيانة في كليّة العلوم تعرّفت عليه من خلاله رحمه الله تعالى لي العبارة الآتية: فقدنا برحيل المرحوم عالماً ومنارةً ومعلّماً لنا ومثالاً يندر تكراره.
فقيدنا رحمه الله تعالى حصّل علومه من كدّ يده، حيث كان لا يتورّع عن العمل في أيّ ميدان سواء في بيع الخضار والفاكهة، أو في العمل في المكتبات في مواسم بدء السنة الدراسيّة، أو في تصنيع الفول والحمّص في مناطق سكنه أثناء تحضير الدكتوراه في باريس لتتوافر بين يديْه الأموال اللازمة لاستكمال دراسته، وقد كان رحمه الله طيّب المعشر، وعزيز النفس، وسخيّ الكفّ ونظيفه، وكان يتمتّع بجرأة أدبيّة عالية السقف في مواجهة الرشوة، وهدر المال العام، والسمسرة، والارتزاق، والغشّ، لذلك كلّه أقولها بدقّة: إنّ الفقيد الحبيب يشكّل بسيرته ومسيرة حياته مدرسةً صالحةً لتنشئة الأجيال على أسس قيمٍ لازمته طوال سنوات عمره.
وفي النضال الوطني في صفوف *المؤتمر الشعبي اللبناني*، وقد ترافقنا معاً نصف قرن، كان مثالاً للمناضل الصلب، وللرجل المعطاء المتواضع الذي لا يترفّع ولا يمتنع عن القيام بمهمّة تقتضيها العمليّة النضاليّة، فهو متحدّث لبق ومحبّب، وشجاع في طرح الموقف، وإذا اقتضى الأمر كان يدخل المطبخ لتجهيز الأطعمة وتقديها لإخوانه المتطوّعين وهذا يذكره الآلاف ممّن واكبوا مسيرتنا الاتّحاديّة، وفي توزيع المطبوعات كان متوفّقاً علينا جميعاً في قدرته الإداريّة وتميّزه في التواصل مع الناس، ولم تنل من تواضعه قيد أنملة الشهادات والمراتب العلميّة، والنسب العائلي العريق من جهة الأبّ عائلة آل شقص الكريمة، ومن جهة الأمّ عائلة آل الرافعي المشهود لها كذلك.
يبقى أن نقول: إنّ فقيدنا الحبيب كان رجلاً خلوقاً، وعفيفاً، وكتلة قيمٍ حيثما تجوّلت معه، ولذلك أحبّه كلّ من عرفه وتعامل معه من إخوانه ومن المحيط كلّه وطلاّبه، وقد بكاه الجميع يوم وافته المنيّة، ورحل إلى دار الخلود في رحاب الشهر الأبرك، وكلّ الألسنة تشاركت الدعاء: اللهمّ عوّضه جنّة الفردوس، واجعله من عبادك المقرّبين، واجعل له سبحانك رَوْحاً وريحاناً وجنّة نعيم.
يبقى الجانب الخاصّ بيننا، والذي يعرفه كلّ من حولنا، حيث يرونا معاً منذ أنهى دراسة الدكتوراه وعاد إلى لبنان، وعلى مدى أكثر من ثلاثين سنة، نتابع معاً ونتّصل ببعضنا أكثر من مرّة في اليوم، ونترافق إلى المهام النضاليّة بين عكّار والشمال وطرابلس وبيروت وجبل لبنان وصيدا وعموم الجنوب والبقاع، ويكاد من الصعب أن يكون أحدنا بمفرده في مرّةٍ من المرّات، وفي بعض محطّات المسيرة كان يشعر أنّني أتخّذ بعض الاحتياطات الأمنيّة، فيتطوّع لنقلي بسيّارته كي نبدّل السيّارات، أو يصرّ عليّ أن يتواصل أو يتّصل أو يتنقّل لأداء بعض المهام الضروريّة طالباً منّي أن لا أعرّض نفسي في الخروج إليها. وعلى مدى هذه السنوات كنّا نتقاسم رغيف الخبز، ولقمة الطعام، سواءً في بيوتنا وبيوت أخواتنا وإخوتنا، أو حين التنقّل لمسافات بعيدة في المطاعم.
نعم، وبكلّ صراحةٍ تعرفونها عنّي أقول: *لقد فقدت برحيلكَ يا أخي الوفيّ والمخلص والمحبّ والرضيّ والمزوح والمعطاء فِقْرة من عامودي الفقريّ، فلن يستقيم سيري في غيابكَ يا حبيبي، وستبقى دمعة الفراق جُرحاً نازفاً يستهلك شطراً من هناءتي وسعادتي بعدكَ.*
رحمكَ الله تعالى يا أغلى أخٍ وحبيب، وأدعو لكَ بسعادة الدار الآخرة، وأسأله تعالى أن يجمعنا معاً في مستقرّ رحمته، وإلى اللقاء في عالم الآخرة.
مساء الاثنين ٧رمضان١٤٤٢ هجرية الموافق فيه ١٩-٤-٢٠٢١.
*محبّكَ الذي حرقته دمعة فراقكَ*
*أسعد السحمراني*