اخبار عكار والشمال

حين تكتب الذاكرة سيرة الأرض: قراءة في «شاشيي وشروال» لـ #محمد_عادل_عوض

الشمال نيوز  – عامر الشعار

حين تكتب الذاكرة سيرة الأرض: قراءة في «شاشيي وشروال» لـ #محمد_عادل_عوض

بقلم : د. #كلود_عطية

في “شاشيي وشروال”، لا يكتب الأستاذ محمد عادل عوض كتاباً عن العادات والتقاليد فحسب، بل يفتح بوابة كاملة على زمنٍ كان الإنسان فيه أكثر صدقاً مع ذاته، وأقلّ تصنّعاً أمام العالم. إنه لا يوثّق الماضي كأرشيف جامد، بل يعيد تشكيله كـحياةٍ كاملة تتنفس داخل الصور، والأدوات، والوجوه، والذاكرة.
هذا الكتاب هو أكثر من دراسة تراثية؛ إنه رحلة في عمق الوجود الشعبي اللبناني، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى فلسفة كبرى: من “الشاشية” إلى “الشروال”، من البيت القديم إلى عتباته الحجرية، من صوت الحياة البسيطة إلى صمت المدن الحديثة المزدحمة بالفراغ.
اللافت في هذا العمل أن الكاتب لم يكتفِ بالسرد، بل وثّق الصورة كأنها شهادة وجود. الصور ليست زينة للكتاب، بل هي روح النص: أبناء الزمن الجميل بملامحهم الصافية، البيوت القديمة التي كانت تتنفس من نوافذها الحكايات، والأدوات التي كانت تصنع الحياة لا تستهلكها.
وهنا، يقف القلب عند تفاصيل لا تُنسى: جرن الكبة… ليس مجرد حجر يُدقّ فيه اللحم، بل ذاكرة جماعية من التعب الجميل، من النساء اللواتي كنّ يحوّلن الجهد اليومي إلى طقس اجتماعي من التضامن والدفء. ثم ينتقل بنا الكاتب إلى التنور والطابون، حيث لا يُخبز الخبز فقط، بل تُخبز العلاقات الإنسانية.
أتذكر طفولتي حين كنت أرافق والدتي إلى الطابون… كانت رائحة الخبز تختلط بأصوات النساء، وكأن القرية كلها تتنفس من فمٍ واحد، وكأن الرغيف كان لغة محبة جامعة لا تعرف الانقسام.
وهنا تتجلى عبقرية الكتاب: أنه لا يوثّق الأشياء فقط، بل يوثّق الطقوس الإنسانية التي كانت تمنح الأشياء معناها. فالمطبخ ليس مطبخاً، بل مركز حياة. والخبز ليس طعاماً، بل رابطاً اجتماعياً. والجرن ليس أداة، بل ذاكرة جماعية من الصبر والعمل.
ثم يأتي الشروال… ذلك الثوب الذي لم يكن مجرد لباس، بل هوية كاملة. وحين يُذكر، يتبادر إلى الذهن جدي عيسى؛ الرجل الصلب، القوي، المتواضع، الذي كان يحمل في صمته حكمة الأرض، وفي خطواته وقار الزمن. كان الشروال عليه ليس زياً، بل امتداداً لشخصيته: بساطة ممزوجة بالهيبة، وهدوء يخفي داخله جبالاً من الصبر.
ولا يكتفي الكاتب بذلك، بل يعيد إحياء عالم الطفولة بكل تفاصيله: الألعاب القديمة التي كانت تُصنع من البساطة، لا من الاستهلاك؛ شريط الكاسيت الذي كان يحمل أصوات الفرح والحنين؛ أغاني الطفولة التي كانت تُسمع من النوافذ المفتوحة؛ وزغاريد الأفراح التي كانت تعلن أن القرية كلها عائلة واحدة، لا غرباء فيها ولا أقنعة.
إن “شاشيي وشروال” ليس كتاباً عن الماضي، بل هو مقاومة ضد محو الذاكرة. إنه يصرّ على أن الإنسان لا يُفهم من خلال حداثته فقط، بل من خلال جذوره، من خلال ما كانه قبل أن تبتلعه السرعة والعزلة والتكنولوجيا.
ففي كل صفحة من هذا العمل، نشعر أن الكاتب لا يوثق فقط، بل ينقذ. ينقذ التفاصيل من النسيان، والوجوه من الغياب، والروائح من التلاشي، والمعاني من الانقراض.
إنه كتاب يعيد إلينا أنفسنا دون أن نطلب ذلك… ويجبرنا على مواجهة سؤال مؤلم: ماذا خسرنا حين تركنا هذه الحياة البسيطة خلفنا؟
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نقف احتراماً أمام هذا الجهد الثقافي الفريد للأستاذ محمد عادل عوض. فقد قدّم عملاً لا يُقرأ فقط، بل يُعاش. كتاباً يليق بأن يكون مرجعاً في الذاكرة اللبنانية، ونصاً يُحفظ كتحفة إنسانية نادرة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه وزمنه.
“شاشيي وشروال” ليس كتاباً يُغلق بعد قراءته…
بل هو كتاب يبقى مفتوحاً داخلنا إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى