اخبار عكار والشمال

الدولة المدنية والدين: من الخوف إلى رسالة «المدينة

الشمال نيوز – عامر الشعار

*الدولة المدنية والدين: من الخوف إلى رسالة «المدينة»*

د. مصطفى قراعلي*

جريدة اللواء | 9 كانون الثاني 2026
https://aliwaa.com.lb/share/554061/

_لماذا لا تتناقض الدولة المدنية مع الدين، بل تحميه من تسييس السلطة؟_

في ظلّ الجدل المتصاعد حول *دار الفتوى*، وما رافقه من نقاشات حادّة حول موقعها ودورها، تعود إلى الواجهة أسئلة أعمق تتعلّق بكرامة السنّة وعلاقتهم بالدولة. وفي هذا السياق، تبرز *الدولة المدنية* بوصفها حلًّا جذرياً لمشاكل السنّة، لا كطرحٍ نظري، بل كخيار سياسي وفكري يستوجب التوضيح بجلاء ومسؤولية.

إن *الدولة المدنية الحقيقية* التي تقوم على جعل الممارسة الدينية شأناً اختيارياً حرًّا، ليست دولة معادية للدين ولا نقيضاً للإيمان، بل دولة *محدودة الصلاحيات*، تُحصر مسؤولياتها في إدارة الشأن العام: من بنى تحتية، وخدمات عامة، ومؤسسات ووزارات تُدار وفق مناهج العلم والاختصاص والكفاءة. وفي هذا الإطار، تُحاسِب الدولة موظفيها على أدائهم المهني والتقني، لا على معتقداتهم أو التزاماتهم الدينية. ولا نرى في ذلك أي تعارض مع الإيمان أو مساساً بالدين.

أحد أبرز أسباب الالتباس القائم يعود إلى إسقاط *التجربة الأوروبية* في علاقتها بين الكنيسة والعلم على واقعنا الحضاري العربي، وكأن الصدام بين الدين والعقل هو قدرٌ حتمي لكل المجتمعات. والحقيقة أن *الحضارة العربية* لم تعرف هذا الصدام؛ إذ لم يكن هناك تعارض بين العلم والدين ولا بين الإيمان والعقل. ومن هنا، لا مبرر للخوف من الدولة المدنية انطلاقاً من تجربة تاريخية لا تشبه تجربتنا، ولا تعبّر عن تراثنا.

إن *الدولة المدنية* لا تُلغي الدين، بل تحرّره من سلطة الدولة، وتُعيد مفهومه إلى مجاله الطبيعي: مجال الإيمان والاختيار الحرّ، وذلك انسجاماً كاملاً مع المبدأ القرآني الواضح: « _لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ_».

من هذا المنطلق، ننطلق في حملة *«طرابلس أولاً»*، التابعة *لحزب الشباب الوطني*، من قناعة سياسية وفكرية واضحة: أن الدفاع الحقيقي عن كرامة السنّة، وكرامة اللبنانيين عامة، لا يكون بالمواقع ولا بالمحاصصة، بل ببناء دولة مدنية عادلة تبعد الدين عن التسييس، وتُعيد سياسة الدولة إلى معناها الوطني.

*الدولة المدنية: امتداد دولة المدينة لا قطيعة معها*

*الدولة المدنية* ليست فكرة مستوردة ولا قطيعة مع *الإسلام*، بل هي امتدادٌ عميقٌ لتجربة حضارية أولى. فهي تستمدّ روحها من دولة *المدينة المنوّرة*، حيث أسّس النبي محمد دستوراً للعدالة والإنصاف، ونظر إلى كل من دخل في ميثاق المدينة – على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم – بوصفهم شركاء كاملين في نظامٍ مشترك، تُصان فيه الكرامة وتُحفظ فيه الحقوق.

اليوم، في لبنان، نحن أحوج ما نكون إلى *دولة مدنية عادلة* تُعيد الاعتبار لهذا المعنى: دولة تُكرّس الشراكة الوطنية، وتوقف الدين من أن يتحوّل إلى سلعة سياسية. دولة تُنقذ المؤسسات من الارتهان السياسي، وتُعيد إلى *دار الفتوى* كمؤسسة سنيّة وطنية كرامتها واستقلاليتها، بعد أن أرهقتها الدولة الطائفية، وظلمها فساد من تعاقبوا على السلطة باسم الطائفة لا باسم القيم.

وعليه، فإن الخلل القائم لا يكمن في إيمان السنّة ولا في معتقداتهم، بل في *الدولة الطائفية* التي حوّلت الدين إلى أداة بيد السلطة، وقيّدت الممارسة الدينية الحرة عندما ربطت، منذ عام 1932 في ظلّ دولة *الانتداب*، الشأن الديني السني بالإدارة السياسية وبقانون عام موحّد. ومنذ ذلك التاريخ، جرى إخضاع الفقه والممارسة الدينية الداخلية لمنطق السلطة، على حساب خصوصياتها واختيار المؤمنين، فانتُزع الدين من مجتمعه، لا من يد الدولة.

*حدود الدولة وحدود الإيمان*

إن الدولة التي تتدخّل في إدارة الشأن الديني، كما هو الحال في النظام الطائفي، تنتهي عملياً إلى تعطيل الفقه، وتسييس الإيمان، وإنتاج حالة من التحقّن الطائفي المزمن، تُحوِّل الدين إلى أداة مواجهة وتضعه في موقع العداء مع الدولة.

_فبين حدود الدولة وحدود الإيمان، يبرز السؤال الجوهري: متى تتوقّف السلطة، ويبدأ الاختيار؟_

إنّ المعيار الحاسم في تحديد *حدود صلاحيات الدولة،* ومتى يجب أن تتوقّف، هو العقد الاجتماعي الذي يُنظّم إدارة الشؤون المشتركة بين المواطنين. فالدولة تُمنَح سلطة السلاح والقانون حصراً لضمان الأمن العام وتنظيم المجال المشترك، لا للتدخّل في خيارات الأفراد. وحيث يبدأ الاختيار الفردي الحرّ، تتوقّف صلاحية الدولة. وحين يجتمع خياران حرّان لشخصين راشدين في شأنٍ ما، تنتفي تلقائياً أي مشروعية لتدخّل الدولة في تلك العلاقة. وإذا اختار الطرفان تنظيم علاقتهما الاختيارية بالاستناد إلى *الفقه الإسلامي* أو أي مرجعية دينية أخرى، فإن هذا الخيار يبقى خارج نطاق سلطة الدولة المدنية، ما دام قائماً على الرضى المتبادل ومن دون إكراه. فالدولة هنا ليست وصيّة على القناعات، بل حارسة للإطار العام الذي يتيح حرية الاختيار ولا يصادرها.

من هذا المنطلق الحاسم، ومن موقع القطيعة الواعية مع نظامٍ استنفد شرعيته وأفلس أخلاقياً وسياسياً، نعلن بوضوح: الدولة المدنية *ليست تهديداً للمسلم*، بل شرط تحرّره. هي الإطار الوحيد الذي يتيح حياة دينية كريمة تُمارَس بوعي واختيار، لا بالخوف ولا بالوصاية. وهي في الوقت نفسه *ضرورة وطنية* لأنها تضع أسس الازدهار الحقيقي، وتفتح معركة جديّة ضد الفساد بكل أشكاله، بلا محميات ولا قداسات زائفة.

أما *الدولة الطائفية*، فلم تكن يوماً محايدةً تجاه الدين؛ بل حوّلته إلى سلعة، ورجالَه إلى دروعٍ لفشلها، والدينَ إلى أداةٍ لتبرير صفقاتها وحماية امتيازاتها.

واليوم، الخيار صارخ وواضح: إمّا دولة *تُحرّر* الإنسان والدين معاً من قيود الذلّ والاستغلال، وإمّا نظامٌ يبتلع كليهما بلا تردّد.

*الخلاصة: رسالة «المدينة» في لبنان*

_في لحظة تعبٍ جماعي داخل الساحة اللبنانية، يفرض السؤال نفسه بوضوح: ما الطريق إلى الأمام؟_

لا يكفي الحنين إلى خلاصٍ متخيَّل، ولا الاكتفاء بالحديث عنه، إن لم نمتلك الشجاعة لتسميته والعمل له. والطريق بات واضحاً اليوم: *الدولة المدنية*.

لا كشعارٍ نظري، بل *كخيار سياسي ناضج*، بعد فشلٍ تاريخي موثّق للدولة الطائفية. دولة تُعيد السياسة إلى معناها، والكرامة إلى أصحابها، وتمنح اللبنانيين إطاراً وطنياً ننتقل فيه من موقع الدفاع الدائم إلى موقع الفعل والبناء.

*الدولة المدنية* لا تُلغي الممارسة الدينية، بل تمنع عنها الاستغلال، وتُعيدها إلى مكانها المجتمعي: *خياراً حرًّا* بين الناس، لا أداةً في يد السلطة.

ومن هذا المنطلق، فإن صون *كرامة* المسلمين السنّة – كما كرامة جميع اللبنانيين – لا يكون بالحِصص ولا بالمواقع، بل بقيام دولة عادلة تُحرّر الدين من التوظيف السياسي، وتُعيد مفهومه إلى *الدور الأخلاقي والإنساني* : كهدايةً للناس، لا كغطاءً للسلطة.

بهذا وحده يُبنى الوطن، وتُصان الرسالة –
*رسالة «المدينة»، في لبنان.*

*هنا يبدأ المستقبل.*

* *حملة طرابلس أولاً | حزب الشباب الوطني*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى