اخبار عكار والشمال

نواف سلام… خيار الدولة في وجه دويلة السلاح

الشمال نيوز  – عامر الشعار

نواف سلام… خيار الدولة في وجه دويلة السلاح


محمد خلدون عريمط

في لحظةٍ تاريخية تتقاطع فيها أزمات لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يقف الرئيس نواف سلام عند مفترق حاسم بين منطق الدولة ومنطق الدويلة، بين مشروع السيادة ومشروع السلاح المنفلت من يد الشرعية. ليس ما يطرحه سلام مغامرة سياسية، بل محاولة لإعادة لبنان إلى ذاته، إلى دستوره، إلى مفهوم الدولة التي تحتكر القرار الأمني والعسكري وتُعيد الانتظام إلى مؤسساتها التي أنهكها الانقسام والارتهان. فالمعركة اليوم ليست بين فريقين سياسيين، بل بين من يؤمن بلبنان الدولة المدنية الحديثة، ومن يصرّ على إبقائه ساحة مفتوحة للوصايات الإيديولوجية والسلاح غير الشرعي.

يأتي موقف الرئيس سلام في لحظة وطنية حساسة، حيث لم يعد الاقتصاد يحتمل المراوغة ولا المجتمع اللبناني يحتمل مزيدًا من الانقسام. فالانهيار المالي لم يكن نتيجة السياسات الاقتصادية فقط، بل هو انعكاس مباشر لتفكك القرار السيادي وتعدد المرجعيات. كيف يُبنى اقتصاد في ظل سلاح يفرض أجندة خاصة؟ وكيف تُستعاد الثقة بالدولة وهي لا تملك قرار السلم والحرب على أراضيها؟ إن استعادة السيادة هي شرط التعافي، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني هو المدخل الأول لبناء الثقة مع الداخل والخارج، ومع المستثمر العربي والدولي الذي لن يغامر في بلدٍ تتقاطع فيه البنادق مع المصالح.

الرئيس سلام يدرك أن مشروعه ليس سهلًا، وأن مقاومة التغيير ستأتي من داخل بنية السلطة نفسها، لكنه يتعامل مع التحدي بعقل الدولة لا بمنطق التصادم. إن خطابه الهادئ، القانوني والدستوري، لا ينطلق من رغبة في الصدام مع أي مكوّن لبناني، بل من قناعة بأن بقاء لبنان ممكن فقط من خلال وحدة السلاح ووحدة القرار ووحدة المؤسسات. إن الدعوة إلى تسليم السلاح ليست استهدافًا للمقاومة، بل استعادة لوظيفتها الوطنية من داخل المؤسسات الشرعية، حيث يصبح الدفاع عن الوطن واجبًا مشتركًا، منظمًا، خاضعًا للقانون لا للأهواء.

ولا يمكن الحديث عن هيكلة الدولة دون إعادة الاعتبار للجيش والمؤسسات الأمنية الشرعية، لتكون وحدها الضامن للأمن الوطني، مع إصلاح إداري ومالي شامل يُعيد توزيع الصلاحيات والمسؤوليات وفق معايير الكفاءة لا الولاء. فالاقتصاد المنهار يحتاج إلى رؤية تنموية ترتكز على الإنتاج لا المحاصصة، على الشفافية لا الزبائنية، وعلى الانفتاح على العالم العربي الذي يشكل عمق لبنان الطبيعي ومتنفسه التاريخي. نحن جزء من منظومة عربية كبيرة، تجمعنا بها الروابط الثقافية والاقتصادية والمصيرية، وأي نهضة لبنانية لا يمكن أن تتحقق إلا في سياق هذا الانتماء العربي الصادق الذي كان دائمًا مصدر القوة والاعتدال والاتزان في وجه التطرف والمشاريع العابرة للحدود.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تبدأ بإعادة العدالة إلى مؤسساتها، وبإصلاح التعليم والصحة وضمان العدالة الاجتماعية، لأن الدولة القادرة لا تُقاس بكمية سلاحها بل بقدرتها على حماية مواطنيها وتأمين كرامتهم. إن لبنان الجديد الذي يحلم به نواف سلام ليس لبنان الانقسام الطائفي، بل لبنان المواطنة والمساواة، حيث تتوازن السلطة وتتحرر الإرادة الوطنية من التبعية لأي محور خارجي.

اليوم، يحتاج لبنان إلى شجاعة هادئة، لا إلى شعارات صاخبة. يحتاج إلى قيادة تتكلم بلغة العقل لا الغريزة، بلغة القانون لا الفرض، بلغة الوطن لا الطائفة. وهذا ما يجعل نواف سلام نموذجًا نادرًا في زمن الشعبويات، رجل دولة لا يساوم على المبادئ ولا يستقيل من مسؤولية الإنقاذ. فالمعركة ليست فقط مع السلاح الخارج عن الشرعية، بل مع العقلية التي جعلت هذا السلاح بديلاً عن الدولة، ومع ثقافة الخضوع للدويلة على حساب الجمهورية.

قد يبدو الطريق طويلاً، لكن كل نهضة تبدأ بقرار، وكل دولة تُبنى على كلمة “كفى” حين تُقال في وجه العبث. تلك الكلمة قالها نواف سلام بصوت الدولة التي ترفض أن تموت، وباسم لبنان الذي يريد أن يعود إلى حضنه العربي، سيّدًا، مستقلًا، آمنًا، مؤمنًا بأن السلاح الشرعي وحده يحمي، وأن الانتماء العربي وحده يُنقذ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى