الدكتورة ربى دالاتي رافعي على طريق البرلمان: قد تكون الفرصة الأخيرة.. فلا تفوّتوها

الشمال نيوز – عامر الشعار
قد تكون الفرصة الأخيرة.. فلا تفوّتوها..
د. ربى دالاتي رافعي
(مقال نُشر في جريدة البيان في طرابلس بتاريخ ٢ آذار ٢٠٢٢).
حين بدأت انتفاضة أو ثورة 17 تشرين الأول في عام 2019 عَقِب اقتراح مشروع الضريبة الاضافية على استخدام تطبيق الواتسات، بدت التحركات الشعبية كردّات فعل غاضبة تجاه الأزمات الاقتصادية المتكررة التي كانت تطال المواد الاستهلاكية الأساسية كالطحين والمحروقات والأدوية وغيرها.
كانت النفوس يومها مشحونةً بالغضب من الطغمة السياسية الحاكمة بسبب تقاعسها في حل كل تلك المشكلات، فأخذت تحمّل مسؤولية الفشل في إدارة الأزمات إلى كل من كان في الحكم، بغّض النظر عن صحة تورّطهم الفعلي في الفساد من عدمه. فظهر عندها شعار “كلن يعني كلن” ليشمل جميع السياسيين دون تمييز طائفي ومناطقي. لكنه لم يكن يقصد التغيير بمعناه الرؤيوي السياسي، إنما فقط التغيير بالأداء والوجوه. فقد حدد حينها المتظاهرون مطالبهم بتأمين الخدمات الحياتية مترافقةً مع رحيل ومحاسبة الفاسدين، لكن دون التطرق إلى الأسباب الأساسية التي أودت إلى هذه الظروف.
ربما كانت ضريبة ال 6 دولار على الواتساب هي شرارة إطلاق الوعي السياسي المجتمعي ليستفيق المواطن اللبناني رويداً رويداً من غيبوبته السياسية. إذ كانت مطالبه في بداية الاحتجاجات تتمحور حول المناشدة بالحياة الطبيعية أسوة ًبالدول التي تعيش حياة هادئة. لكن ما أن بدأت الخطوط الحمر تُوضع لمنع إسقاط المسؤولين الفعليين عن الانهيار، وتتتالى العراقيل أمام تشكيل نوع الحكومة التي يطالب بها الشعب من مستقلين تكنوقراط، وتُرفع الأصابع تهديداً لمن يطالب باستقلالية القضاء وبالكشف عن المتورطين بتفجير المرفأ، وثم من بعد تضييق الخناق على المغتربين الساعين وراء العمل والرزق في بعض الدول العربية نتيجة تضررها من السياسة اللبنانية المتبعة تجاهها، بدأ المواطن يستشعر بالمؤامرات التي تُحاك في المطابخ السياسية لمن يتبع محور الممانعة تمهيداً لجر البلد إلى تغيير هويته وانتمائه، ووصولاً إلى السيطرة الكاملة على قراره السيادي.
هكذا إذاً بدأ المواطن يدرك أن المشكلة هي أكبر بكثير مما كان يظنه، وأن الفساد، مهما كبر حجمه، ليس العقبة الأساسية والوحيدة أمام النهضة المنشودة. وأخيراً فهم اللبناني السيادي أن البلد مخطوف وأنه رهينة مفاوضات بين قوى خارجية لا ناقة له فيها ولا جمل. وحينها اعتكف عن النزول إلى الشارع بانتظار الفرصة الداخلية التي قد تعطيه الأمل باستعادة البلد، لتعود له صورته الحضارية وليستعيد مركزه الثقافي الريادي ضمن بيئته وحاضنته العربية.
أما أقرب هذه الفرص المتاحة فهي الانتخابات النيابية المقبلة. وقد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة أمام الشعب ليغيّر واقعه ومستقبله. ومن لم يدرك بعد خطورة تداعيات هذه الانتخابات على هويته وحياته وديمومة حريته وحرية أبنائه الشخصية، آن الأوان له أن يستيقظ وأن يعتبر مما حصل بشعوب الدول العربية التي تخضع حالياً إلى الحكم الفارسي بالوكالة. ولا يعتقدّن أحد أن القضية تتعلق باستهداف طائفة واحدة فحسب، إنما هي قضية وطن برمّته. فأي فئة تُترك لمصيرها فتفقد حقها وحرية قرارها أو معتقدها، ستكون كالثور الأبيض الذي يؤكل للمرة الأولى، وسيلحق الدور حتماً على المكونات الأخرى للمجتمع.
إن تغييرالمستقبل السياسي والمعيشي ليس مستحيلاً طالما أن العملية الانتخابية لا زالت إلى حد كبير تتمتع بالديمقراطية. لكن التغيير الحقيقي ليس بالضرورة كما كانت تظنه الحشود الثائرة في الساحات لناحية تغيير الوجوه فحسب، إنما يعتمد على إنتاج كتلة نيابية سيادية متجانسة وكبيرة، تضع نصب أعينها العمل على استعادة سيادة الدولة وهيبتها، وبطبيعة الحال هويتها وانتماءها العربي.
أما الانكفاء عن الترشح أو الانتخاب فهو خطأ استراتيجي كبير، خاصةً في هذه الفترة الأخطر بتاريخ لبنان الحديث. قد ينكفئ فريق عن الترشح إفساحاً في المجال لظهور وجوه جديدة تحمل نفس الرؤية وتعتمد نفس النهج، إنما لا يصح الانكفاء الكلي عن العملية الانتخابية. فترك الساحة شاغرة دون مرشحين كفوئين ودون تضامن وتحالف بين الفرقاء السياديين سينتج عنه حتماً أكثرية نيابية تدين بالولاء إلى المحور الممانع. وعندها لن ينفع الندم ولن تنفع المواجهة اللاحقة لأن البلد بتكوينه وهويته الدستورية سيكون قد انتهى، وسيتحول تدريجياً إلى ولاية ايرانية.
آن الأوان أن تستكمل الانتفاضة الشعبية السلمية طريقها عبر تعبيد الطريق إلى التغيير في الانتخابات القادمة. فكل سيادي نظيف الكف ولديه كفاءة سياسية هو مدعو للترشح، على أن يتخلى عن الشخصانية بأدائه، أي أن ينسحب عند الضرورة، لأجل بلده ومستقبله، لصالح تشكيل لوائح متجانسة قد يكون لها الحظ الأوفر بالنجاح.
كذلك كل فئات الشعب اللبناني مدعوة للانتخاب بكثافة. فالفرصة قد تأتي مرة واحدة وقد لا تتكرر. بالنهاية، قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة، فلا تفوّتوها.