ثقافة وفنون

أحرف الحداثة

الشمال نيوز – عامر الشعار

أحرف الحداثة

الأحرف، في الأساس: في أساسها المادي التي عرفت بها، هي الجبال. فالحرف هو ما يظهر من الجبل، في أعاليه. ولهذا تجد الناس يعرفون الحرف في قراهم. وقلما وجدت قرية لا يقف حرف قبالتها أو خلفها، أو عن يمينها، أو يسارها. فالحروف، أو الأحرف في المطلق، هي رؤوس الجبال، أو ما بان منها عن بعد بعيد.

في مرحلة تالية، صارت الحروف تدل على رواشم اللغة، بعد أن كانت تظل على رواشم الأرض. فما دامت الأرض، هي منازل الناس المادية، فقد غدت اللغة، منازل الناس الفظية، الرمزية. صار الناس، يسكنون اللغة، مثلما هم يسكنون الأرض. صاروا يتبيؤون فيها، مثلما هم يتبيؤون في الأرض. فحفروا فيها، كعادتهم في الحفر في الأرض. وبنوا المنازل والقلاع. ونشروا الشوادر، ورفعوا العرازيل. وأشادوا المضارب، وخططوا السكك للناس. فكانت العمائر الشاهقة. وكانت الأبراج العظيمة، وعينوا الدروب والفساطيط. وأنا هنا أتحدث عن العمارة في اللغة، لا العمارة في الأرض. ألم يقولوا ببيت الشعر الموازي لبيت الشعر( بفتح الشين). ألم يقولوا بشقة البيت. ألم يصفوا القصائد و المعلقات، بأنها من العمائر والقلاع الأدبية.

كادت مسيرة الناس في حياتهم الأدبية واللغوية، توازي مسيرتهم في حياتهم المادية التي يقطعون العيش بها، في المدن والقرى والأرياف. كادت مسيرة الناس التي قطعوها على مستوى الآداب والعلوم والفنون، أن توازي مستوى حياتهم التي قطعوها، وهم ينحتون الجبال، ويبسطون الأرض، ويشيدون ويعمرون، فيرفعون الأبراج، ويصلون ما إنقطع بالجسور.

ومثلما هي عمارة الأرض، قديمة في التاريخ. فإن عمارة اللغة، قديمة هي الأخرى في التاريخ. ومثلما كانت الخطط والسكك والقرى والقصبات والمدن، تشهد على تطور الإنسان وتقدمه. وتشهد بالتالي، على تمدنه وتحضره. وتشكل المرصد الواقعي والظاهري، للأساليب التي إتبعها في التغيير والتطوير والتحديث من فترة لفترة، ومن جيل لجيل، فإن ما حدث للغة، على مستوى الأدب وعلومه، وعلى مستوى الفن وعلومه، وعلى مستوى الهندسة والرياضيات والفيزياء، وما إتصل بها من علوم، يكاد أن يوازي ما جرى في الأرض من بنيان ومن عمران.

أحرف التغيير والتحديث، مثلما هي تشمل الحياة على الأرض، بكل واقعيتها، وبكل الدقائق التي تحكمها وتتحكم فيها، فإنها تشمل بالتالي اللغة، وما يجري فيها. وما يتصل بها، على مستوى المعاني الروحية والعقلية. وعلى مستوى الأنشطة المتصلة بهذة المعاني. وعلى مستوى الحقوق والواجبات، التي تقوي من دعاوى الحضور المادي والمعنوي، على سطح البسيطة. على سطح الأرض.

مسيرة التغيير واحدة، بقطارين: قطار العمارة في الأرض. وقطار العمارة في اللغة. لأن الإنسان، إنما ينزل مرة واحدة في البناء المادي، كما في البناء اللغوي. في محطة من الزمن واحدة. وأحرف التغير والتحديث، إنما تجري له هنا وهناك في الآن نفسه. فلا تقدم في اللغة، بكل موضوعاتها، ولا حداثة فيها، ما لم يتصل التغيير والتحديث، في المباني والعمائر التي يسكنها ويعيش فيها. فكيف لنا أن نقول: إن هذا المجتمع من القرون المواضي. من العصور الخوالي، كان أكثر حداثة من هذا المجتمع الذي نعيش فيه. كيف نوازي بين الحياة في المضارب، والحياة في المدن. كيف نوازي بين حياة الأعراب، وحياة العرب.

أتى أعرابي مجلس النبي في المدينة. صار يتحدث بلغة الأعراب، بعد رحيله إليها والعيش فيها لأعوام بلغة الأعراب. فبدر إليه النبي وقال: “أقعقعة كقعقعة الأعراب؟. ما هذا يا “أبا فلان”. من تبدى، فقد كفر.” أراد النبي التمييز بين لغتين. وبين ثقافتين. وبين حضارتين. كان يدعو إلى حضارة موحدة. إلى ثقافة واحدة. في اللغة والبنيان.

كان من دعاوى المستشرقين، أن يقدموا بعض شعراء الجاهلية، على بعض الشعراء في العصر الحديث. فيقولون بأن شعر لبيد وشعر طرفة، وشعر آخرين غيرهما، إنما هو أكثر حداثة من شعر بعض شعراء العصر الحديث. وهذا لعمري، إفتئات على القدامة والحداثة في آن معا. ربما أراد المستشرقون، الإيقاع بين أهل العربية، من الجوانب الفلسفية والأخلاقية. فما بال من تبعهم من النقاد والأدباء والشعراء العرب. ألم يدركوا بعد أن للحداثة أحرفا واحدة في العمارة و البنيان، سواء على مستوى الإنشاءات المادية، أو على مستوى الإنشاءات اللغوية.

أحرف الحداثة واحدة. تصنع وحدتها نفسها بنفسها، من خلال وحدة المجتمع. ومن خلال وحدة الإنسان. وهذا لا يلغي القول، بإمكانية أن يسبق الخيال الأدبي، الواقع الإجتماعي. تماما مثلما لا يلغي الخيال العلمي القول، بإمكانية أن يسبق الخيال العلمي، تحقيقه الماثل في المختبرات.

ربما قصد المستشرقون الخيال الحداثوي الإستباقي، لدى هذة “الثلة الشجاعة”/ “الكوكبة الشجاعة”، من شعراء القدامة. ولكن من الضروري أن نمايز بين فنون القدامة وفنون الحداثة، على أن كلا منهما، إنما هو عمل موحد. ومن الظلم بمكان، أن نطلق الأحكام ونغالي فيها، دون الأخذ بأحرف الحداثة التي توحد الأعمال. وتوحد الإنسان وتوحد المجتمع، ضمن مبدأ، وحدة العمل. ووحدة الفن. ووحدة الإنسان. في أي مجتمع من المجتمعات. وفي أي عصر من العصور.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى