خواطر مغترب والأقربون أولى بالمعروف

الشمال نيوز – عامر الشعار
إشتهر العرب تاريخياً بخصائل جميلة و صفات حميدة، الشهامة و النخوة التي تأبى عليهم إلا إغاثة الملهوف و نصرة المظلوم و إكرام الضيف و حماية مَن استجار بهم و ايصاله لأهله مجبور الخاطر و الأمانة و الصدق و إحتقار الكاذب و غيره الكثير….
و عرب اليوم و الحمد لله كثير منهم ما زالوا متمسكين بهذه العادات الحميدة و نسوا القول الكريم (( الأقربون أولى بالمعروف ))
و حتى المثل الغربي بالإنكليزي يقول بما معناه (( عمل الخير يبدأ من البيت charity starts at home )) أي مع أهله، فلما ألغت أوستراليا صفقة شراء الغواصات من فرنسا و التي تُقدر بعشرات المليارات و التي قصمت ظهر ماكرون، فلم يجد أمامه غير العرب لما عرفه عنهم من شهامة و نخوة، فقصدهم باكياً شاكياً مستجيراً بهم من ظلم أهل عشيرته الأميركان الذين خطفوا منه الصفقة المعول عليها لإنقاذ الإقتصاد الفرنسي فلم يخيّبوا ظنه.
فهبطت عليه المساعدات من السماء و أغدقوا عليه بالصفقات من جميع الإتجاهات، فمن ايران إلى السعودية و العراق و كلها بالمليارات، و آخرها صفقة طائرات ب ١٧ مليار للإمارات، و على الأغلب كلها شيئ لازم و شيئ مش لازم….و كل هذا لأنه استجار بهم لمساعدة الشعب الفرنسي المسكين الذي حاله بالويل ما عاد عم يقدر يشتري شمبانيا و يأكل سومون مدخن و كافيار، و كل شيئ عندهم صار غالي حتى جبنة حليب الحمير المشهورة فصار سعر الكيلو منها ٥٠٠ دولار.
بالنسبة لأهلهم بالمنطقة و يلّي هم أولى بالمعروف و الملايين منهم يعيشون بلا سقف فوق رؤوسهم غير فرشة بلاستيك رقيقة مُتقلة بأحجار و يمكن أن تسقط على رؤوسهم عند هبوب أي عاصفة، غير المحظوظين اللي سقوفهم بالصفيح و التنك مغطايين، و من العواصف و الماء غير معصومين و لما عليهم بتشتي و هني نايمين يصيروا بالماء سابحين.
و الظاهر أنهم صاروا معودين على هالحالة اللي هني فيها من سنين عايشين و ساكتين، و الحكومات لأنهم ساكتين مفكرينهم انو هيك مبسوطين و ما لازم يعملولهم شي لحتى ما يعكروا صفوهم و هيك الحكومات مبسوطين.
ما قانونية تعميمات مصرف لبنان اليوم و التي تسمح للمصارف بسرقة المودعين جهاراً نهاراً بمنعهم للوصول إلى أموالهم التي وضعوها أمانة في المصارف، و بسبب الضغوط المعيشية هم بحاجة إلى أن يسحبوا من ودائعهم لشراء حاجاتهم، و المصارف و بتعاميم المركزي و في متاهة صرف الدولار يسمح للمصارف أن تسرق منهم حوالي ٨٥٪ أيام ٣٥٠٠ ليرة للدولار، و اليوم بسعر ٨٠٠٠ ليرة للدولار و يخسروا أكثر من الثلثين.
إن أي تعميم يصدر عن الحاكم يسمح لمصرف أن يسرق أي مبلغ من المودع الذي ائتمنه على أمواله هو باطل و بالتأكيد غير قانوني حتى لو صدر عن مجلس النواب أو الحكومة لأنه لا يحق لأي أحد في الكون أن يحلل السرقة بأي حجة كانت، فبادئ ذي بدء…
يجب على أصحاب المصارف و مساهميها ردّ ما تقاسموه سابقاً على أنه توزيع أرباح و حولوه للخارج قبل أن يؤمنوا أموال المودعين التي و على حساباتهم بأنهم جنوا أرباحاً منها، و هذه أرباح دفترية و ليست حقيقية فهم سحبوا الأموال الحقيقية و تركوا الدفترية للمودعين بدل أن تكون العكس، فيجب أن تُحصى و تُخمن أملاك المصارف و أن يخيروا بين رد الأموال و يتابعوا العمل أو يخسروا ممتلكاتهم و تُوزع على المودعين.
إن الخوف على القطاع المصرفي لا مبرر له لأننا لسنا بحاجة إلى هكذا مصرفيين نصابين و يجب أن نبدأ بفريق جديد و نظيف.
أما الأمر الآخر، فيجب محاسبة كل المسؤولين عن صرف أموال الدولة و استرجاع المسروق منها خاصة من السياسيين و مقاوليهم و مشاريعهم و سدودهم الفاشلة و محاسبة كل مَن خان الشعب و أوصله للإفلاس.
من ثلاثين سنة، دخل على الخزينة حوالي ٤٥٠ مليار دولار و صُرف منها ٥٢ مليار على الكهرباء و كانت بحاجة فقط إلى ١،٧ مليار لبناء معامل لتأمين الطاقة ٢٤/٢٤، و لكن للأسف بسبب عبقرية الإدارة التي لا مثيل لها في الكون، قاموا باستئجار باخرتين ( فاطمة غول و أورهان بيه )ب ٩٠٠ مليون كلفة الباخرة الواحدة بدل أن كان باستطاعتهم أن يشتروا الباخرة الواحدة ب ٣٠٠ مليون، فلو تم شراءها لكان أوفر و أفضل للمدى البعيد في ظل أزمة العتمة التي يعيشها البلد.
مثال آخر عن عبقرية إدارتنا، فبدل أن يدفعوا مليار و ٨٠٠ مليون ثمن أجار الباخرتين التي كانت تولد ٣٥٠ ميغاوات فقط، أما كان من الأفضل أن يبنوا معملين للطاقة بقيمة ١،٧ مليار من قِبل شركتي GE و Siemens و كانت لتؤمن ٢٠٠٠ ميغاوات،
لكانت تلك الطريقة حلاً جذرياً و نهائياً لمشكلة الكهرباء و لكانت وفّرت ١٠٠ مليون….
و إذا كانت المشكلة عدم توفر المبلغ فيمكننا اللجوء إلى التقسيط كما يحصل في باقي الدول العالمية.
هذا يثبت أنهم يتصرفون و كأننا نعيش في جزيرة يحكمها القراصنة و نحن لا حول لنا و لا قوة مجبورين أن نقبل كل تلك الفظاعات!
إمّا أنهم أغبياء من الدرجة الأولى أو أنهم سارقين من الدرجة الاولى!
هذا الكلام الذي قلناه هو كلام معروف للقاصي و الداني، فنحن لم نخترع البارود و لكن نتساءل، لماذا الناس ما زالوا يسمعون و يقبلون منهم كل تلك الأعذار؟ لماذا لا يقومون بأي تحرك لوقفهم عند حدّهم؟
لا حل بدون محاسبة بدون شركات دولية، فلننظر إلى أحوال كل مسؤولين الدولة و أحوالهم الذين و بقدرة قادر أوصلت هؤلاء البائسين إلى قمة الثراء و حوّلت أغلبية الشعب إلى فقراء.
و يجب ألا ننسى أن أحوالهم لم تتأثر بهذه الأزمة، أما بقية الناس فأحوالهم دُمرت من الأساس، فآخر صرعة من النصب و الإحتيال التي يتعرض إليها الشعب اللبناني هي قصة ال ١٠٠ دولار، فرغم القرار الأميركي بأن الإصدارين القديم و الجديد لا مشكلة فيهما، فأقدم الصرافين الذين بالأساس سرقوا العالم في السوق السوداء إلى خصم ٥-١٠ دولار على كل ١٠٠ دولار من الإصدار القديم.
طبيعي جداً أن يتمادوا و يتفننوا في طرق و أساليب السرقة لأن لا رادع لهم و الشعب غاشي و ماشي فأصبح ملطشة لكل العالم.