حكومة الممكن

الشمال نيوز – عامر الشعار
حكومة الممكن
لا تدعي حكومة دولة الرئيس نجيب ميقاتي هذة، أكثر من أنها “حكومة الممكن”. كانت البلاد مرشحة، أن تبقى في ظل حكومتين: ١-في ظل حكومة مستقيلة.
٢- وفي ظل حكومة مستحيلة.
تبقى كذلك، تختم العهد. تبقى كذلك حتى آخر العهد.
جاء الرئيس ميقاتي، وحسم المسألة، وألف “حكومة الممكن”.
كانت الإنقسامات السياسية والشرذمات المتصلة بها كلها، تؤدي إلى تعطيل تشكيل حكومة، تسد مسد “الحكومة المستقيلة”.
لم يكن أمام المهتمين في الداخل، ولا أمام المهتمين في الخارج، غير “أمر اليوم”، الذي يصدر عن الرعاة، صباح كل يوم: “إذهبوا إلى تشكيل الحكومة”.
إستنفد السياسيون كل الوقت، في البحث عن حكومة. إستنفد رؤساء الدول كل السبل، في البحث عن حكومة. إستنفد رؤساء الأحزاب والكتل، كل الوقت، في الإتيان بحكومة. إستغرق الأمر، كل هذا الوقت الذي مضى، قبل الوصول إلى حكومة الرئيس ميقاتي الثالثة: “حكومة الممكن” هذة. لم يعد أمام اللبنانيين والعالم، إلا أن يستيقظوا فجأة على حكومة، بعد كل هذا الثبات العميق، الذي كان ليله يمتص كل الحوادث وكل الثورات وكل المظاهرات. لم يعد أمام اللبنانيين، إلا الإتفاق على حكومة، تنقذهم من الغرق في القيعان، وتنشلهم من القاع، إلى بر الأمان.
ما وجد اللبنانيون في هذة الحكومة، إلا أنها حكومة الممكن.
لا يقول معظهم، أكثر من ذلك. خصوصا بعد إستعصاء الحلول، فيما تبقى من الوقت. حين رأوا أن الوقت بدأ يضيق ويضيق، قبل الإنتخابات.
أجمع اللبنانيون المتنازعون، بعد “سقوط النصيف”، عن وجه حكومة الحريري، بعيد إنطلاقة (ثورة17 ت1/ 2018)، أن الحل هو في الذهاب إلى الإنتخابات، لا أكثر ولا أقل. وصار السؤال، عن حكومة الممكن فقط، في حدودها الدنيا. حكومة للإشراف على الإنتخابات.
“حكومة الممكن” إذن، أبصرت النور، قبل أشهر قليلة من موعد الإنتخابات. ما عاد التأخير ينفع بالإتيان، بأفضل مما كان.
حكومة الممكن هذة، أوقفت السجالات بين الأحزاب. أوقفت السجالات بين القيادات. جعلتهم، فور نيلها الثقة، أن يوقفوا التهورات. أن”يأخذوا على رؤوس خيلهم”. أن يدخلوا في ورش الحوارات، السرية والعلنية، لخوض الإنتخابات.
رأوا حسم الصراع على السيادة، يكون بالإنتخابات. رأوا حسم الجدال في الممانعة، يكون بالإنتخابات. رأوا حسم التمثيل والقيادة، يكون بالإنتخابات. رأوا حسم التوجه غربا أو حسم التوجه شرقا، يكون في الإنتخابات. رأوا حسم الجدل على هانوي وهانكونغ، يكون بالإنتخابات. صار المطلوب إذن، الإحتكام إلى أكثرية جديدة، لقيادة البلاد. صار المطلوب حقا، وقف جميع المماحكات، والعنتريات، بإنتظار الإنتخابات.
“حكومة الممكن”، وضعت في سلم أولوياتها، تحكيم الديمقراطية. تدعوا للذهاب اليوم، إلى تحكيم صندوقة الإقتراع. بدل الإحتكام إلى القوة الفائضة. نزعت فتيل الإنفجار من مرفأ أو مرفق، أو شارع أو مدينة. أوقفت إقتتال الطائفتين. أوقفت قتال الطائفتين. والحزبين والبيتين. بعدها، ما عادت الأحزاب تدعو إلى الحرب، أو إلى الإنقلاب. بل إلى الإنتخاب. صاروا يدعون إلى التلاقي والإنفتاح. صارت البلاد منفتحة على بعضها، بعد سنوات طويلة من الإنغلاق.
حكومة الممكن هذة، بعد سنوات من “سرج الخيول”. بعد سنوات من مشق السيوف. بعد
سنوات من بناء الدشم. وإرتداء السترات الواقية. ومن التترس خلف المجن. بعد سنوات من قنص الذمم.
حكومة الممكن هذة، تدعو لبنان لخوض “معمودية النار” في الإنتخابات، بعد أشهر قليلة.
هناك حيث تظهر المعادلات الجديدة. تستشرف مستقبل لبنان. هناك حيث يأمل اللبنانيون، بأكثرية جديدة، تدشن فجرا جديدا للبنان.
الرئيس نجيب ميقاتي رجل الحلول للأزمات المستعصية. وجوده على رأس هذة الحكومة، ما وجد فيه الناس، كل الناس، تحديا لهم. أو تحديا لهذا الفريق أو ذاك.
أحسن الرئيس ميقاتي، إدارة تشكيل الحكومة. سهر على تفكيك ألغامها، لغما لغما. سهر على فكفكة عقدها، عقدة عقدة. كل مرة، كان ينال منه غضبه، يعرف كيف يصرفه في طاقة منتجة.
صرف دولة الرئيس نجيب ميقاتي، وقت التكليف كله، وهو يتقدم نحو التأليف، ببوصلته الشخصية. وعلى طريقته الشخصية أيضا. طريقته الوسطية. فما أضل الدرب، ولا أضاع الهدف، ولا تقدم ولا تأخر، إلا كما يفعل “قانص الوقت”.
دولة الرئيس نجيب ميقاتي، حفظ درسه جيدا، منذ زمان بعيد: “وجعلناكم أمة وسطا، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”. فما أضاع الوقت ولا أضاع الهدف، ولا أضاع سواء السبيل.
خلف زجاجتيه الشفافتين، كان يرقب مرور كل غبار يثار.
يمسح ما يعلق منه، ثم يتابع النظر. يقطع الآماد. يجوس الليل، ليل الحكومات. “لا يهيء للغسق. بل يهيء للشفق.”
منذ اليوم الأول لتكليفه، عقد العزم على التأليف، فما وهن ولا تردد، ولا تكأكأ ولا تلكأ، عن تأليف حكومة بالشروط الممكنة.
“حكومة الممكن”، إنما هي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي اليوم. لكي يبقى لبنان. حكومة الرئيس ميقاتي، يريدها اللبنانيون كل اللبنانيين، لا لشيء، ألا ليبقى لبنان على خارطة دول العالم. يقول له لبنان مرددا: “أنا يوسف يا أبي.” أنا في الجب. لا أبعد، في هذة المرحلة الصعبة التي أجتازها، عن حدود الدولة الفاشلة.
حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، أتت لتنقذ لبنان من “الجب”. أتت لتقول لا، لدولة لبنان الفاشلة.
رجل بكل هذا العزم، بكل هذة العزيمة، يعمل ليله و نهاره، لعدم سقوط لبنان، دولة فاشلة، هو قرار حكيم، إتخذه نجيب ميقاتي، بكل ما أوتي من شجاعة، بكل ما أوتي من عزم ومن عزيمة. بكل ما يتمتع به من وسطية مجربة.
قرار إتخذه رجل حكيم مجرب، قبل الوقت المداهم، قبل السقوط الشاقولي، في أعماق الفشل، بالذهاب لتشكيل “حكومة الممكن”.
نجيب ميقاتي هو اليوم، أمة في رجل. فهل نقول: جازف دولته بنفسه، ليربح لبنان الإنتخابات المقبلة.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية