ثقافة وفنون

إما النعيمٍ أو الجحيم l المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

إما النعيمٍ أو الجحيم l المحامي عبدالله الحموي

يتيمة من بنات الصعيد تقدم لخطبتها شاب فاحتاجت لولي أمرٍ يقف معها في الزفاف.إعتذر شيخ قريتها فلجأت الى عمدة “الكفر” الذي بدوره طردها ساخراً. وإذ تأثرت من حالها ودورة الأيام هداها التفكير الى خطة عزمت على تنفيذها صباحاً.
استيقظت مبكرةً على صوت المنبه الرقمي وتناولت فطور “الكونتيننتال” قبل أن تعد لنفسها فنجان “نيسكافيه” وتنفض الغبار عن جهاز “اللابتوب” الموضوع تحت الحصير ولتشرع من ثم في محاولة اختراق الشيفرة السرية لموقع الرئيس “جمال عبد الناصر”.
يُصعَق “الزعيم الخالد” المُستيقظ لِتَوِه بوجود رسالة استطاعت النفاذ الى بريده الالكتروني ومرسلتها فتاة تعيش في كوخ متواضع في قرية “كفر فقر”. قرأ الرسالة بإمعان فدمعت عيناه وأقسم أن يجبر خاطر الفتاة وأن ينقلها من حال من حال . نحى من أمامه بضعة أوراق تتضمن أسماء معتقلين ينتظر إعدامهم أو التعذيب توقيعاً رئاسياً منه قائلاً لنفسه: “بإمكانهم الإنتظار, فالإنسانية تعلو على غيرها من الأمور”. يرفع سماعة الهاتف ويخاطب “صلاح نصر” رئيس جهاز الاستخبارات طالباً منه إعدام المسؤول عن حراسة بريد الرئاسة الالكتروني والتنكيل بأفراد عائلته بتهمة التقصير. ثم يتخذ بعدها قراراً بتأجيل موعد انعقاد “القمة العربية” والسفر في التو واللحظة الى قرية “كفر فقر” . وتمهيداً للأمر يتصل بمحافظ “أسوان” ليأمره بإنشاء مُدَرَج مطار في القرية المذكورة خلال بضع ساعات كي لا يتكبد مَشَقَة السفر البري فالأمة تحتاج الى راحة زعيم الأمة ..نصف ساعة ويتصل المحافظ بفخامته ليبلغه أن الأرض المناسبة للمُدَرج زراعية وتحتوي بيوتاً وأرزاقاً لعشرات الأسر من فلاحي المنطقة الذين يرفضون الاخلاء . وبحزمه المعهود يأمره الزعيم بجرف الأراضي اللازمة واعتقال كل من يتجرأ على عصيان الأوامر العليا, فالأمة تعيش حال حرجة تحتاج تضحيات. يهرع المحافظ لتنفيذ الأمر مصحطباً معه إعلاماً ملوثاً مهمته تلوين الوقائع بما يتفق مع توجهات السياسة. يتصل “عبد الناصر” بشيخ “الأزهر” طالباً منه تأجيل صلاة “العصر” وركوب قطار “المترو السريع” الممتد من “الجيزة” الى قرية “كفر فقر” للقائِه هناك من أجل مناسبة عقد قران. ثم يطلب من مساعده الإتصال بمدير فندق “مينا هاوس” وإخطاره بوجوب إرسال مائدة تكفي لإطعام خمسمئة شخص الى القرية المذكورة مصحوبة بمضيفات درجة أولى على أن تحيي الاحتفال الراقصة “ميمي جمال”
تستنفر أجهزة الدولة بِرُمتها تزامناً مع انطلاق الطائرة الرئاسية من “ميناء القاهرة الجوي” الى ميناء “كفرفقر” المنشىء للتو, لكن اتصالاً هاتفياً يَرِد من ” موسكو” جعل ” عبد الناصر” يعدل عن خط سير الطائرة فيطلب من الربان التوجه نحو العاصمة السوفييتية حيث ينتظره ” رفيق النضال” الرئيس ” خروتشيف” على مائدة “كافيار” لبحث سبل مواجهة “إمبريالية الغرب” دون “الشرق”.
ينتهي اللقاء وإذ يخشى “عبد الناصر” بلوغ “أسوان” بعد فوات الأوان يطلب من رُبانه مسابقة الزمان عبر المشاركة في سباق مع طائرة “كونكورد”
تزامناً يُطَوِق فريق مخبرين الحي حيث تقطن العروس فيقتادون العريس بطريقتهم ” المَعروفَة” على مرأى من الجوار ومسمع. وكل يظن بأن الرجل قد سولت له نفسه التحدث بالسياسية أو أنه شيوعي أو أخواني أو ليبرالي أو غير ذلك من التهم المعلبة لكل من آمن وسلك طريقاً غير “الناصرية” .. يتم اقتياد فريق من خياطي شارع “الشواربي” لأخذ مقاسات العريس وإعداد بذة أنيقة له تزامنا مع وصول مصمم الأزياء العالمي ” إيف سان لوران” على متن طائرة المشير “عبد الحكيم عامر” حاملاً معه فستان زفاف باريسي جرى تصميمه وحياكته في أرقى دور “الإليزيه” مع تضمينه عبارة: (( صُنِعَ في مصر)).
يقف العروسان ليرددا معاً عبارات الإيجاب والقبول وقد أصاب كل منهما الذهول من هول ما يحصل كما تبين لنا (الصورة) دموع العروس التي أغرقت فستان الزفاف . المأذون هو شيخ “الأزهر” وولي أمر العروس هو “الزعيم الخالد” الرئيس “جمال عبد الناصر”. والشهود هم كبار مسؤولي الدولة فاي جبر خاطر أو عز لعروس يتيمة بعد هذا؟
ولمن يقول:” ما هذه الهُراء الذي ساق من التخيلات ما يفوق الخيال؟ فالصورة هي “للزعيم الخالد” في حفل زفاف أبنة شيخ الأزهر “عبد الرحمن تاج” وهي تعود الى عام 1960″.
نقول له:
إن هي إلا كِذبة “بسيطة” أردنا من خلالها شحذ العقول عبر تسليط الضوء على بحر من الأكاذيب تتلاعب أمواجه بعواطفنا والعقول منذ نصف قرن وقبلها ثمانية عشر سنين غفلة واستغفال حولا, بأقلام عبيد الفِكر , التأريخ الى تأليف. والإعلام الى توجيه وتحريف. فهل استكثرتم على كاتب المقال رواية كاذبة يُعري بها ظاهرة أكاذيب ما زلنا نتخبط في وحولها حتى يومنا هذا؟ . ومتى صار مفهوم الخلود صفة يتمجد بها مخلوق ما دام كل منا في النهاية خالدٌ إما في النعيم أو في … الجحيم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى