ثقافة وفنون

آلهة لبنان

الشمال نيوز – عامر الشعار

آلهة لبنان

لبنان جبلا، مثله مثل “الأولمب”. تحط في أعاليه الربات، ويسرح في وديانه الكهان. في أعاليه أرز الرب. وتحته الوادي المقدس. وادي قاديشا. وادي القديسين. وأما شعبه، فهو يرزح تحت ثقل عظيم. يعمل ليل نهار ولا يكاد يوفر لهم مؤونة العام. لا يكاد يوفر لهم مقدار كيلة من طحين.
لبنان مثل جبل الأولمب، ما عرف إلا حكم الآلهة فيه. لولا إنتصافه في نادر الأزمنة. في نادر الأيام.
غير أن وجه الإختلاف بين جبل الأولمب وجبل لبنان، أنه عرف تعددية الآلهة. أنه عرف الآلهة المتعددة. أما في لبنان، فما عرف شيئا من ذلك. ظل يعيش طيلة حياته، على إله واحد، إله الحرب. محكوما من آلهة واحدة، آلهة الحرب.
يحسد شعب لبنان، شعب اليونان، كل صباح وكل مساء: كان عندهم إله الخصب. إله الزراعة. إله البحر. إله الرياح. إله الأرض. إله الثلج.
أما شعب لبنان، فما ذاق شيئا من طعم ذلك. ظل يعيش طيلة حياته، محكوما من آلهة الحرب.
آلهة كثيرة لحروب كثيرة، رزح تحتها شعب لبنان، منذ قديم الزمان. كل عام متضرجا، حربا أو شبه حرب. حين كان عمر بن أبي ربيعة يقول متضجرا : “كل عام حجة وإعتمارا”.
هكذا قطع اللبنانيون تاريخهم . ظلوا طيلة حياتهم، ربيئة الأحراش. حراسها. فما عرفوا النوم على الفراش. ولا ذاقوا طعمه، إلا وهم على فراش الموت.
حروب كثيرة لكل عقد. حروب كثيرة لكل عهد. كان العقد لعشر سنوات. فصار العهد لست سنوات. لشدة شهوة الآلهة إلى الدم. لشدة شهوة الآلهة إلى الحرب.
قرنان من حروب الألهة على الناس، حتى جعلوا الأنهار حمراء. كل ربيع كان الإله أدونيس، يذبح نهر إبراهيم، ويهجر اليسار وقدموس. وتسيل الدماء في المقاطعات، حتى إنحناء الرؤوس طاعة.
ما تابت المقاطعجية، عن ذلك، ولا عرفت راحة، لأفعالها الهوجاء. كان النفير، يرجف العصافير. يرجف الحساسين.كانت آلهة الحرب تبتهج، لآلة الحرب. لمسيل الدماء بين القرى وفي الوديان.
قرنان من حروب. من عصف، ومن قصف، ومن طغيان. يتغير العصر. يتغير المصر. تتغير الفصول. يتغير الشعب، ولا تتغير آلهة الحرب في لبنان. لا تغير عاداتها في القتل.
حروب كثيرة تشنها آلهة الحروب في لبنان لأجل الحفاظ على عروشها. صارت عروشها أرجوانية، من كثرة ما سفكوا من دماء. صارت آلهة الحروب في لبنان، تؤجر أرضها: ساحة. تؤجر شعبها مرتزقة. لوعول أقاليم الجوار. لوعول أقاليم الأرض.
كل عام، تدشن الآلهة حربها. تتصارع لإثبات القوي من الأقوى. تقتتل على تعيين ناطور. على تعيين مأمور. تقتتل لأخذ حصة. تقتتل لمن تكون الإمرة، في السلم وفي الحرب. تقتتل، لأنها تريد أن تظل تقتتل حتى آخر نفس. حتى آخر صرة. حتى آخر إيداع. حتى آخر شهادة في البنك.
آلهة واحدة للحرب على جبل الأولمب، لحكم بلاد لا تغيب عنها الشمس. أما في لبنان ففي كل مقاطعة، آلهة مخصوصة لها. تدير شؤون الحرب. آلهة في الشمال، وإلهة في الجنوب، وآلهة في الجبل، وآلهة في السهل. آلهات كثيرة لحرب طائفية واحدة، لا تنام إلا على دم.
آلهات للحرب، إستقلت عن الشعب، جعلت من لبنان كله سوقا لها. تستعير النار من جوارها، وتضرمها في دارها. بلا شأفة. بلا رحمة. بإذن من “زيويس”، كبير الآلهة.
آلهة لأحزاب كثيرة، آخرها حزب الله، الذي وجلت منه سائر الأحزاب.
حواة كثيرون، تحت أرز الرب، بأحزابهم بأربابهم. يلاعبون كبير الحواة. يلقف ما يرمون في الليل، ثم يصلي الفجر.
آلهة لبنان، حواة لبنان. أبناء الأفاعي، متى يخشون في لبنان، الله. متى يرحمون العباد. متى يرحمون الشعب.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى