اخبار عكار والشمال

ميقاتي وسيطا وسطيا مكلفا

الشمال نيوز – عامر الشعار

ميقاتي وسيطا وسطيا مكلفا

ذاق لبنان مرارة “المقاطعة” المسيحية للإنتخابات النيابية وللحكم. كانت حقا، أياما مرة الطعم. دفع البلد ضريبتها. وصار “هزأة”، بين الأمم. وتعرضت البلاد، إلى الإهتزازات: سياسيا، و ماليا، وأمنيا ودوبلوماسيا.
ومثلما إنقسم الداخل اللبناني على نفسه، إنقسم أهل الخارج عليه أيضا. حارت دوله بين “أم العريس”، و”أم العروس”. فإشتدت وطأة الإنقسام على اللبنانيين، وصارت تأخذ بخناقهم.
وكلما قوي الصراع على الإنقسام، كلما ضاقت سبل العيش وسبل الحياة وسبل الرجاء، على اللبنانيين جميعا، لا على “بعض اللبنانيين”.
كان الإنقسام يوغل في البلاد ويشتد، حتى أنه فاز نائب من” قرطبا ” ب14 صوتا. لا مرشح منافسا له. في ظل مقاطعة محكمة. هكذا كانت النتيجة أخيرا.
دفع لبنان غاليا، ثمن هذة “المقاطعة المسيحية” المرة. وجدوها السلاح الأخير للمواجهة الحادة. رأوا في المعركة، “كسر عظم”. ولم يتأخروا عن “المقاطعة”. لبوا نداءها بكل قسوة. وإستجابوا لها بنسبة95%. ولم يتأخروا عنها.
سلاح الطائفة ب”المقاطعة”، جربه الثنائي الممانع أيضا. نزلوا فجأة من جوف “حصان طروادة”، حين كان الرئيس سعد الحريري، في زيارة للرئيس الأميركي “أوباما”، يهم بالدخول إلى البيت الأبيض. فأسقطوا الحكومة. ثم حاصروا بعدها حكومة الرئيس السنيورة، وقالوا عنها: إنها حكومة “غير ميثاقية”.
ورغم أن هذة الحكومة، ظلت تحكم ب”النصف زائد واحد”، فإن لبنان دفع ثمنا باهظا مقابل إستمرارها. وظل “المقاطعون” يفترشون الساحات في “رياض الصلح”، حتى عاد الطرفان إلى الدوحة بدل الطائف، وعادوا من هناك إلى الصلح. وأزالوا الجدار، بين الثامن والرابع عشر من آذار. وجدوا في الصلح سيد الأحكام.
الرئيس المكلف دولة الرئيس السابق، نجيب ميقاتي، تكليفه مجددا، يمنع اليوم عودة اللبنانيين إلى الإنقسام. وجوده مكلفا، يمنع إقامة الجدار بينهم حتى الآن.
ذلك أن المراقبين، عن بعد، وعن قرب، يرون بالعين المجردة، كيف تتسارع الأحداث، لتزيد عمق الإنقسام، بين “السنة” والعهد.
فبعد إستقالة الرئيس سعد الحريري، أخذ جدار المقاطعة للعهد يعلو شيئا فشيئا. وكان التيار الأزرق، كلما قال للتيار البرتقالي: “خذ”. أجابه التيار البرتقالي: “هات”. والعكس صحيح أيضا.
هذة المرة سيتعرف اللبنانيون على جدار آخر من الجدران. إنه جدار لا ب”بتية” واحدة، كما كان سابقا، بل جدار ب “بتيتين” إثنتين.
اللبنانيون اليوم، يشهدون على جدار الإنقسام هذا. ويشهدون أيضا، على الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، كيف يعمل ليل نهار، لا حبا بالتأليف، ولا شوقا له، وإنما لمنع نهوض جدار الإنقسام، بين “السنة” والعهد. خصوصا وهو يعلم علم اليقين، أن عين الطرفين على ذلك.
فالرئيس سعد الحريري “محتشدا” بأهل السنة، يحاصر جبران باسيل، رئيس التيار البرتقالي، ومفوض العهد. وهو عازم، بل مصر، على رفع الجدار في وجهه. فيلاقيه جبران باسيل، محتشدا بالتيار البرتقالي وبالعهد، ويرفع قبالة الجدار الأزرق، الجدار البرتقالي.
يعرف الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، أن مهمته شاقة قبل التأليف: عليه إزالة اللبنات الزرقاء والبرتقالية، وعدم السماح بالبناء على “الفصل” والإنقسام.
مهمة شاقة حقا، مهمة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي. ذلك أنه “يعرف السر وأخفى”.
فلا حكومة بعد، إذا ما أوقف “محركات التأليف”. ولا ميثاقية أيضا. ولا إستمرارية للعهد، ولو لسنة واحدة.
الرئيس المكلف، نجيب ميقاتي، يعرف عمق الإنقسام على العهد في الخارج. ويعرف عمق الأزمة التي يواجهها اللبنانيون اليوم. يتذوقون مالم يتذوقوه في حياتهم من ذل، بسبب من أحكام الجدارين.
الحكم عنوة، أو الحكم بالجدار، ليس من سياسة “سيد الوسطية”. وسيد “الكلمة السواء”.
وجد الرئيس المكلف الوسيط والوسطي نجيب ميقاتي، ملاينة من الفريق الأزرق، فسارع ليبني عليه. يزيل بيديه الدشم. يفككها لصالح الوحدة. يرى في وحدة الحكم، مقدمة أولى، لإزالة الجدار البرتقالي في وجه التيار الأزرق.
نجيم ميقاتي وسطيا وسطيا مكلفا، ضمانة لوحدة الحكم في لبنان. ضمانة لوحدة اللبنانيين. ضمانة لوحدة لبنان، في برزخ الفصل السياسي و الطائفي والعربي والإسلامي والدولي.
فهل يلاقي التيار البرتقالي يد الوسطية وعبرها يد التيار الأزرق، يتماسكان يدا بيد.
يد الوسطية عند نجيب ميقاتي، ذراعها “شديد القوى”. وهي أقوى في نفس صاحبها، لأنها قائمة على الإيمان من جهة، وعلى الرؤيا السياسية العميقة من جهة أخرى.
إيمان الرئيس المكلف الوسيط، عميق بالوسطية. وهي مدرسته التي ما عرف مدرسة غيرها. ولذلك يصعب نزع إيمانه بها من صدره، ما لم يشق عنه شقا.
وأما في السياسة: فهو أصيل بها. يعرف أن لبنان الوحدة في هذة المرحلة، إنما يحتاجه، حتى لو لم يتسن له التأليف.
نجيب ميقاتي، وسطيا، رئيسا وسطيا مكلفا، سوف يشهد على وحدة لبنان، ولا يستطيع أحد، حتى الرئيس ميقاتي نفسه، أن ينتزع من صدره شعار الوسطية التي تحفظ، ما تبقى من وحدة الدولة في لبنان، ولو لنهاية العهد.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى