ثقافة وفنون

إناء الكسيحة

الشمال نيوز – عامر الشعار

إناء الكسيحة

بلاد كسيحة. دولة كسيحة. حكومة كسيحة. وطن كسيح، وطني لبنان.
الإعاقة ليست ضعفا عند الأقوياء في نفوسهم. أما في لبنان، فالأمر مختلف تماما.
علة الإعاقة عندنا، في هذا البلد الكسيح من جميع جوانبه، أن مسؤوليه ضعاف النفوس. يباعون ويشترون: بالمال وبالألقاب وبالمناصب. خساستهم ما بعدها من خساسة. لا يقيمون إعتبارا لكرامتهم. لا يقيمون إعتبارا لكرامة وطن، ولا لكرامة شعب، ولا لكرامة مقدسات.
تعودوا أن يجلسوا على قارعة الطريق. يكسرون أيديهم ويشحذون عليها. يحملون في يدهم “إناء الكسيحة”، ويستعطون كل شيء حتى “فلس الأرملة”.
تراهم يدورون في العالم بإنائهم. تسيل نفوسهم عليه، بلا كرامة. يشحذون كل شيء، حتى الياقات لأعناقهم. حتى ربطات العنق. وحتى حسابا صغيرا. وحتى حذاء أو جوربا أو سبحة، أو قلم رصاص. أو طاسة مكسورة الخاطر.
بلاد كسيحة، راقت لها مهنة التسول. حملت إناءها ووقفت تستعطي، بلا خجل من التاريخ. تاريخ الآباء والأجداد.
مسح المسؤولون عندنا كرامة التاريخ. كرامة الأجيال. كسروا رجلهم وشحذوا عليها. كسروا يدهم وشحذوا عليها. صارت مهنة الشحاذة في العالم كله، مهنة لبنانية بإمتياز.
رؤساء كسحاء يشحذون. وزراء كسحاء يشحذون. نواب كسحاء يشحذون. إستمتعوا مهنة الشحاذة منذ زمان بعيد. فصاوا يرسلون أبناءهم وأخوتهم وأخواتهم. صاروا يرسلون زوجاتهم تشحذ لهم من مكان بعيد.
بلاد كسيحة بلادي. إتخذت لها “زحافة” عظيمة، من عظام شهداء المرفأ. من عظام شهداء التليل. من عظام شهداء الحروب الأهلية والوطنية والقومية والدينية. من عظام الفقراء الذين سقطوا على أبواب المحطات، وأبواب المستشفيات وأبواب الأفران والمولات. من عظام شهداء النخوة والأخوة والشهامة.
بلاد كسيحة إتخذت لها زحافة عظيمة، من عظام قتلى الجوع. حمل مسؤولوها “إناء الكسيحة”، وصاروا يشحذون لأرصدتهم بعظام الشهداء.
مسؤولون نفوسهم مريضة. أصيبوا منذ قديم الزمان بداء التسول، فصاروا يمضون وقتهم بمطاردة الكرماء والأثرياء. يستعطفونهم، بإسم جمعية. يستدرون بها العطف. يستدرون بها كرم العطاء.
اليوم يتقاتل السفهاء والنذلاء على “وزارة الشؤون”. يرون فيها “إناء الكسيحة”، للداخل والخارج على حد سواء.
صار “إناء الشؤون الإجتماعية”، أهم وزارة بين الوزارات. صار المال الريعي هو المطلوب، صار مال التسول وشقيقه التبرع، لضعاف النفوس. هو محفظة الجيب، للوزير وللمدير، وللعشيرة الحزبية. صار المال الريعي، هو الخزانة الخلفية.
إناء الكسيحة، إناء وزارة الشؤون الإجتماعية. هي هم المسؤولين. هي هم أهل المسؤولية، المرضى ب”جوع قديم”.
يرهنون البلاد كلها، لأجل إناء الكسيحة. يرهنون تشكيل الحكومة، لأجل إناء الكسيحة. يرهنون مصير البلاد والعباد، لأجل إناء الكسيحة.
مهنة التسول لدى المسؤولين، مهنة قديمة. فمن أين نأتي بالشرفاء، بلا “إناء”، وبلا “زحافة” من عظام الشهداء لحكومة الكسيحة.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى