ثقافة وفنون

اليد العميقة

الشمال نيوز – عامر الشعار

اليد العميقة

عاش “آدم سميث” في القرن الثامن عشر. وكان يرى إلى الإقتصاد في العالم وتحركه وتخبطه، فيقول: إن يدا واحدة خفية، عميقة، تحركه في مجمله، في كل أنحاء العالم. وأن هذة اليد موجودة وعميقة، ولكنها خفية غير مرئية.
والواقع إن اليد التي قصدها سميث، ليست بالتأكيد يدا واحدة. ولكنها يد كل واحد منا. أي أنها تمثل مجموعة أيدي، تمثل أيدي الجميع في كل مكان. وحين يتحرك الإقتصاد في العالم، ويباشر حركته العامة، تكون هذة الأيدي تحركه معا. فتحقق مصلحة كل شخص على حدة، تماما كما تحرك مصلحة الجميع، مصلحة المجتمع كله. ولهذا ربما، أطلق أدام سميث نظريته، فأسماها: “اليد العميقة” التي تحرك الإقتصاد في العالم..
يريد آدم سميث من نظريته: أنك وأنت تنتج منتوجك، في المصنع أو في الحقل، لتحصل على وفر مادي لك، فإن ما تحققه لنفسك، فيه نصيب عظيم للآخرين: عمال وصنايعيين ووسطاء، وواسطات أخرى، مثل النقل أوغيره. فهؤلاء في مجموعهم، لهم يد خفية، في حركة الإنتاج، بيعا وشراء وإستهلاكا، وغير ذلك. لهم يد خفية في حركة الإقتصاد.
نحن إذا ،نستطيع أن نقيس الأمور كلها، بمقياس “آدم سميث”. وربما كان بإمكاننا أن نتطلع إلى حالة لبنان، بهذا المعيار، لنكتشف اليوم، كما فعل” آدم سميث”، قبل نحو قرنين من الزمن، أن المجتمع اللبناني، لا يحرك نفسه. ولكن يدا لا نراها، هي التي تحركه من وراء الستارة.
أراد “سميث” تبيان واقع الحركة الإقتصادية، وتشابك الأيدي فيها. وقال إن هذة الأيدي، إنما هي مجتمعة، تمثل اليد الخفية والعميقة لتحريك عجلة الإقتصاد.
وفي حالة لبنان، نرى تشابك الأيدي وغلظها، في تحريك الحياة الإقتصادية، وفي تحريك الحياة السياسية. وفي تحريك العجلة الدبلوماسية. وفي تحريك العجلة العسكرية على حد سواء. وهذا ما غاب عن بال “سميث”، ولم يتحدث عنه.
في حالة لبنان، الوضع معقد أكثر مما ذكره سميث في نظريته. فهناك حضور لليد العسكرية، الخفية والعميقة.
في الآونة الأخيرة، تعرض لبنان لأزمات إقتصادية عديدة، بوجوهها المختلفة.
وأهم الأزمات التي تعرض لها، أزمة الدواء، وأزمة المحروقات. ولأن لبنان إزدواجي الحركة، بفعل الرياح السياسية التي تتجاذبه، فإن اليد العميقة التي تحرك أزماته الإقتصادية كلها، إنما هي يد سخينة مزدوجة، بالإضافة إلى كونها، يدا عميقة خفية.
لبنان أخذ طابع الدولتين. وصارت الأمور أعقد مما كان “سميث” يتصورها، عن اليد الخفية التي تحرك العجلة الإقتصادية.
شيئا فشيئا، تفقد الدولة سيطرتها على الأزمات الإقتصادية. وتتحول السلع التي يكثر الطلب عليها بإلحاح، إلى السوق السوداء. وهذا ما وقع للبنان، مع الدواء والكهرباء والمحروقات، التي ساهمت أزماتها، في تعقيد الأوضاع، وفي قرصنة عمليات البيع والشراء، بسبب إزدواجية الدولة.
إن اليد الخفية والعميقة في العمليات الإقتصادية في لبنان، إنما صارت أكثر تعقيدا مما مضى.
فأزمة لبنان الإقتصادية اليوم تحير، كل من يتصل بها، بل تحير العالم أجمع. تحير الدولتين في لبنان: الدولة اللبنانية ودولة حزب الله اللبناني.
فهل ينطبق على حالة لبنان، ما إنطبق من قبل على إقتصادات العالم ولا يزال؟. وهل تنطوي “دنيا” الحالة اللبنانية، هي الأخرى على يد خفية تحركها، كما هي الحال في خريطة الإقتصاد على الأرض؟.
هذة الأسئلة كلها مشروعة. ولأن السؤال، هو نصف الإجابة، كما قال الإمام الشافعي، فإنه يقودنا حتما، إلى فهم ما يستغلق حولنا من قضايا.
ولا فارق كثيرا، أن تكون الحالة اللبنانية، واحدة من بين قضايا علم الإقتصاد، كما رأينا عند “سميث”، أو أن تكون قضية بين قضايا علم الإقتصاد السياسي والعسكري والدبلوماسي، مثل القضية التي تفاجئ الناس، وهم في صراع مع السياسة والدبلوماسية، وفي إشتباك دائم مع قوى المعسكرات، في داخل لبنان وفي خارجه.
لا أعرف لماذا يراودني إحساس، منذ بدء الهجوم على لبنان، بهذة الأزمات الإقتصادية المتفتقة من بعضها، والمتناسلة أيضا من بعضها، أن يدا خفية قوية غامضة وعميقة، في عالمنا، تحركها. وانها تحرص وهي تحركه، على أن تظل تتحرك بيننا من دون توقف. وهذا يتراءى لكل متابع للحالة الإقتصادية اللبنانية، بأزماتها كلها.
هذا الإحساس، لا يخصني وحدي، فهو حاضر لدى آخرين كثيرين ، على إمتداد العالم. أولئك الذين يتابعون الأزمة اللبنانية منذ ظهورها، قبل أعوام خلت. إن الدولة اللبنانية، كم اللبنانيين عموما، تبدو وكأنها البطل “سيزيف”، كما الأسطورة اليونانية الشهيرة، كلما حكمت عليها الأقدار، أن تدفع الصخرة إلى أعلى الجبل، سرعان ما تتدحرج إلى السفح. ولا نهاية لعذابها تلوح في الأفق القريب.
هذا هو لبنان منذ جاءه البلاء العام الداخلي والخارجي، بالأزمات الإقتصادية والسياسية والعسكرية والدبلوماسية.
فكلما بدا للبنانيين، أنهم في الطريق إلى الحياة العادية. أنهم في طريقهم إلى الدولة. سرعان، ما نعود إلى المربع الأول. وكلما لاحت في الأفق بوادر حلول لأزماتنا، أو لواحدة من هذة الأزمات على الأقل، إذ بنا نفاجأ، بإشتدادها على الخناق. فنعود بذلك إلى أدنى من نقطة الصفر، التي بدأنا منها.
في أزمة المحروقات تبين للبنانيين، أنهم لم يعد بمقدورهم شراء صفيحة بنزين واحدة لسيارتهم. ولا صحيفة مازوت واحدة لموتوراتهم. فبادر حزب الله وحده للتحرك مع إيران. وبادرت الدولة المزدوجة، للتحرك مع العراق. وبدلا من الوصول، إلى حلول تخفض الأسعار، إشتعلت المواقف والتصاريح، وكثرت الإشتباكات. وصار الناس ينادون بعضهم للمشي على الأقدام، خشية وقوع الحروب.
وما يعزز الإعتقاد، بإنتقال اليد الخفية، اليد العميقة بقوة إلى الحالة اللبنانية، أن التصاريح الداخلية، و الردود الداخلية والخارجية، على إستيراد البواخر الإيرانية، جاءت شديدة اللهجة وإستفزازية للغاية. وحامت الإتهامات فوق الرؤوس، فكانت بذلك ولا تزال، تثير الكثير من علامات الإستفهام.
ليس الحديث عن اليد العميقة، وعن الحالة اللبنانية في إدارة الأزمات، من أحاديث نظرية المؤامرة، التي يتردد كثيرا اليوم الحديث عنها. لأن ذلك يقتضي وجود طرف في العالم يتآمر على طرف آخر. وهذا بطبيعة الحال، وارد ومفهوم.
ولكن الشأن في اليد الخفية والعميقة، غير ذلك. لأنها في مكان ما لا نعرفه، هناك من يكيد للبنان واللبنانيين، لا لمجرد وجود طرف فيه هنا أو هناك. وهذا بحد ذاته مبعث الحيرة، لدى كل من يحاول فهم الحالة اللبنانية ويريد الوصول إلى حل لها.
بالطبع إن اليد الخفية والعميقة في الوضع اللبناني، الذي لا يكاد يصل إلى حل، حتى يعود إلى التعقيد، ليست خفية بالكامل، تمام كما أنها في “نظرية سميث” ليست خفية بالكامل.
فبمجرد حركة البيع والشراء، تتحرك الأيدي، فتساهم في تجسيد ما كان سميث يقصده في الحركة الإقتصادية.
ولن يختلف الحال مع هذة الأزمة أو تلك، من بين الأزمات اللبنانية الكثير، الإقتصادية منها وغيرها، لأن في مقدورنا أن نتخيل اليد العميقة الخفية، في كل مرحلة تقطعها الأزمة اللبنانية، إذا ما تعذر علينا ان نراها في حركتها، أو نرى جانبا من هذة الحركة على الأقل.
لن تكون اليد العميقة في الملف اللبناني، سوى الأطراف التي يهمها بقاء الإنشغال بها، أطول فترة ممكنة. لأن في هذا ما يحقق مصالح أطراف كهذة بشكل، أو بآخر.
وإذا قالت الأحزاب اللبنانية على سبيل المثال، إنها ليست من هذة الأطراف، فسوف لن تكون صادقة مع نفسها، علاوة على أنها لن تكون صادقة في تعاطيعها مع معاناة اللبنانيين.
إن نظرة سريعة على حركة الحالة اللبنانية، وإفادة الأحزاب منها، بيعا وشراء وتخزينا وتهريبا، لمما يشير لنا إلى تمددها، كلما أوشكنا على الإقتراب من الحلول. وهذا ليس أبدا من المصادفات.
فالأزمة اللبنانية الإقتصادية، بل الأزمات اللبنانية كلها، تجعلنا يوما بعد يوم أكثر يقينا، بوجود اليد العميقة والخفية التي تحركها. غير أننا نبحث هاهنا، عن “الأسباب غير الواضحة”، التي تجعلنا، كلما إقتربنا من الحلول، عادت الأزمة وذرت قرنها بيننا من جديد، حتى ليكاد المواطن اللبناني، يشتهى رغيف الخبز من الفرن. وعلبة الدواء من الصيدليات.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى