دراما المعارضات

الشمال نيوز – عامر الشعار
دراما المعارضات
أشنع ما تتعرض له، المعارضة السياسية في بلد من البلدان، أن تنقسم على نفسها. أن تتشظى إلى معارضات.
الأمر الطبيعي في حالة المعارضة للسلطة الحاكمة، نشوء معارضات عديدة، تحت عناوين عديدة. ثم سرعان ما تتلاقى وتتحد، على مبادئ معينة، تقع ضمن ما يعرف بالقواسم المشتركة، فنراها تتحد. لتزداد قوة الضغط عندها. وتصبح قادرة على إثبات حضورها. فتتلمس طريقها بكل تؤدة. لمواجهة السلطة ووضع برنامج زمني لإسقاطها. أو لتغييرها.
في حالة المعارضة اللبنانية التي ظهرت غب إغتيال الرئيس الحريري، أنها ولدت مجتمعة، ثم راحت تفترق و تتفرق.
ولدت من رحم ما عرف ب “ثورة الأرز”، في الرابع عشر من آذار العام2005. ثم مضت إلى التفسخ. فأخذ كل حزب حصته منها. فكانوا بذلك، كمن “يقتل الدب، ويقتسم جلده”. فإنتهت ثورة الأرز، قبل ظهور ما يعرف بالربيع العربي. ثم تم الإعلان عن موتها بصورة شبه رسمية، بعد ظهور ما يعرف ب “ثورة 17- تشرين”. كانت “ثورة 17- تشرين-1، 2019″، هي البديلة.
نزلت هذة الثورة الأخيرة إلى الساحات كلها موحدة أيضا، مثل ثورة الأرز. وسرعان ما كانت تقوى شيئا فشيئا، بحسب برنامجاها، في العاصمة بيروت، وفي سائر المدن اللبنانية الأخرى.
وإنضم إليها المغتربون والمهاجرون. تعاضدوا معها. فكانوا رديفا فعالا للثورة. آذروها وشدوا من عضدها، بالمال، وبقوة الضغط، على مراكز القرار في جميع عواصم العالم. فتسنى لها، ما لم يتسن، لثورة الأرز قبلها.
1- إستطاعت ثورة الأرز، أن تنتج سلطة، من رحم الأحزاب التي شكلت أطيافها. فرضت نفسها في وجه قوى” الثامن من آذار”. ولو أنها كانت تتعاون معها، تحت عنوان: “الحكومة التوافقية”. ثم باغتتها حرب تموز2006، فإنشقت عنها “قوى – 8 آذار”، جميعها، فصارت حكومة غير ميثاقية، فقتلتها في مهدها. ولو ظلت تحكم، حتى إتفاق الدوحة.
أما “ثورة 17- تشرين”، فظلت في الساحات لسنتين ونيف. ولم تسطتع أن تصل إلى السلطة.
2-جاءت ثورة17- تشرين، على أنقاض ثورة الأرز، وكانت في معظم أطيافها، مرايا نقية وغير نقية، لأحزاب قوى الرابع عشر من آذار. ولو إنضم إليها، من جاؤوا من مواقع قوى الثامن من آذار.
غير أن أحزاب ما يعرف ب”بقايا ثورة الأرز”، كانت تتبناها. إذا رجحت كفتها في الساحات، تماما كما كانت تتخلى عنها، إن هي أخفقت في طروحاتها وتبلبت في مسيرتها، وتعوقت في الوصول إلى غاياتها.
3- حتى الآن، لم يعلن موت “ثورة17- تشرين” على الملأى، على غرار ما حصل ل”ثورة الأرز”. غير أن “موتها السريري” واضح، بعد إستفحال السلطة الحاكمة في الفساد المالي والإداري والقضائي والأمني، وغرقها في المستنقع اللبناني. دون أن تخشى قوى الحراك في المجتمع المدني، أو ما يعرف بقوى ” ثورة17- تشرين”.
4-يتحدث المتابعون لثورة17- تشرين، عن عودة بعض ثوارها إلى الأحزاب التي جاؤوا منها. كما يتحدثون أيضا، عن “شراء ذمم” بعض قيادات الثوار. وعن “إعتكاف ويأس” بعض القيادات الأخرى منها. وأما من بقي في الحراك الشعبي المدني، فقد أصبح محاصرا من جميع القوى المتصارعة على السلطة، سواء من داخل الحراك، أومن خارجه.
5-إذا كانت ثورة الأرز لم تعمر طويلا، غير أنها شاركت في “الحكومة التوافقية”. وهي مهدت لإحتلال بيروت، عن غير قصد منها. بعدما خرج منها الثنائي، فصارت حكومة غير ميثاقية. فأخرجت بعد ذلك من الحكومة، بعدما سقطت آخر الحكومات الحريرية. وأقصيت عن الحكومة التي تألفت برئاسة د. حسان دياب. بل أقصت نفسها بنفسها، في الحكومة المستقيلة. وهذا ما جعلها تعيش دراما الحكم، ودراما المعارضة معا.
6-بالعودة إلى “ثورة -17 تشرين”، لم نتبين بعد، ما إذا كانت ما تزال قواها ومجموعاتها، حية أم لا. وهذا ما يدل على المأزق الدراماتيكي الذي وصلت إليه بعد تفاقم الأوضاع، على شتى الصعد.
إن تشقق الحراك الشعبي المدني، المنبجس عن تشقق “ثورة- 17 تشرين”، قد أوحى لجميع الباحثين والمتابعين، أن هذة الثورة لم تستطع بلوغ “الغلوة”. وأن تراجعها الدراماتيك، إنما يشي بعمق الأزمة التي تضربها.
من هنا الحديث المتشعب والمتسرب والخفي، عن أن لبنان، إنما يعيش في أقسى وأحرج أوقاته الحالكة اليوم. إنما يعيش أعظم أزماته التاريخية الكبرى. وأن سبب ذلك، إنما يعود ل”درما المعارضات” فيه والمتمثلة، في عدم قدرة قوى المعارضة كلها، كما قوى السلطة، على التوحد حول رؤيا، أو رؤى واحدة، أو حول برنامج أو برامج عمل واحد.
بإختصار شديد: إن دراما السلطة، التي أوصلت البلاد إلى الإفلاس المعلن، إنما هي التي أوصلت المعارضة إلى هذا التذرر والإنشقاق. وهي التي جعلتها تعيش درامتها البائسة المتزامنة مع دراما السلطة.
وإذا كان لبنان، هو في أسوأ أحواله السياسية، فلأن قواه السياسية لاخير فيها، لا في السلطة ولا في المعارضة. “لا نعلا ولا سختيانا”
حقا صار البلد حذاء تالفا. يعيش دراما الحكومات الفائتة، كما يعيش دراما المعارضات البائنة.
قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية