ثقافة وفنون

حِوار البُرج l المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

حِوار البُرج l المحامي عبدالله الحموي

طُرفة تتندر بها المجالس, ومفادها أن استبياناً جرى في بعض بلدان قارات العالم القديم حول مشكلة إنقطاع التيار الكهربائي. ففي حين لم يفهم المواطن الأوروبي كلمة “انقطاع” استفسر الأفريقي عن معنى كلمة “كهرباء” فيما اتجه تفكير المواطن العربي لمعرفة مدلول كلمة “رأي”.
أوائل سبعينيات القرن الماضي يدخل أستاذ محاضر قاعة المحاضرات التابعة لإحدى الجامعات الفرنسية, مُفتَتِحاً محاضرته بالقول: “الله غير موجود”. صَعَقت العِبارة طلاباً عرباً غالِبَيتهم من الشمال الأفريقي دون زملاءٍ لهم فرنسيين, وليِشرَع المُحاضر ,مِن ثم, في طَرح نظرية مَفادها أن حَمل السيدة “مريم العذراء” ناتج عن إهمال في الوقاية تسبب بنَقل نُطفةَ رجلٍ إليها عن طريق الخطأ وبالتالي فلا معجزة , بِنَظره, في ولادة السيدة المسيح “عليه السلام” .
لم يتحمل الطُلاب العَرب المُتَواجِدين هذا التطاول فهجموا على المحاضر لِيشبعونه ضرباً كاد أن يُسَيِل مِنهُ الدِماء على مرأى ومسمع من الطلاب الفرنسيين الذين اكتفوا باتخاذ موقف المتفرج . لحظات معدودات ويهرع الحرس الجامعي فيوقف الطلاب المعتدين ولتُباشر مِن ثَمَ الإدارة تحقيقا كان من حرج نتيجته أن قامت اللجنة المولجة به بإقفال المحضر بهدوء ودون إدعاء , إذ عَجَزت عن استيعاب بأن طلاباً مُسلمين أخذتهم الحَمِيَة للدفاع عما يعتبره الأوروبيون حينها “مقدسات مسيحية”.
عقود تمضي فتطفو على سطحِ الحِوار مُشكلة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد(ص) وليُعاد أسلوب التخاطب على أنقاض “برج بابل” لا بِسَبَب اختلاف اللغة هذة المرة, بل لإختلاف خلفية تاريخية وثقافية أوصل الى إختلاف فكري حدد التباين في مقدسات كلا الطرفين . ففي مقابل شرق عُرِفَ عن أبنائه غلو مشاعرهم الدينية دون تَدَيُن غالبيتهم بالضرورة , علت حرية الرأي والتعبير “مقدسات” الغرب عن سواها . فاتخذت المواجهة شكل معسكرين رأى فيه الأول تطاولاً من الآخر على “مقدساته” واستهدافاً لها في الصميم “بحرب صليبية جديدة” لم تكن بوارد تفكير الأخير, فيما صنف الثاني الأول طرفاً من بقايا عصور “محاكم التفتيش”, حتى وقع في روع الإثنين أن دفاع كل منهما عن قيم يؤمن بها يشكل بحد ذاته إعتداءاً على ثوابت الطرف المقابل , لا لشيء الا لجهل كل واحد منهما بنمط تفكير الآخر .
لا يهدف الحوار الى توحيد اسلوب الحياة بكافة مناحيه بقدر ما تتمثل أهدافه بتآلف شعوب لا يجمع بين أفرادها قاسم مشترك اللهم إلا صفاتٍ انسانية ثبت عدم كفايتها لدرء الحروب والنزاعات . إن تأكدت نظرية “الإنسان عدو ما يجهل” بالضرورة فإن التوسع بتفسيرها لتصل الى درجة أن “الإنسان عدو من يجهل” يُشرع أبواب الإحتمالات السلبية على مصراعيه , الأمر الذي تُغني التجارب عن إثباته , وبالتالي يُصبح من الواجب محاولة فهم الجُذور الفكرية لكل طرف سعيا لتفسير سلوك الأخير بعيداً عن الأحكام المسبقة , لأن في انتهاج سلوك مماثل ما يسهم في التقارب ويحول دون تحويل الحوار فوق انقاض “البرج” الى مشكلة مزمنة , أقله في نظر المجتمعات والأفراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى