ثقافة وفنون

العدالة المغيبة. I المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

العدالة المغيبة. I المحامي عبدالله الحموي

يحكى أن ملكا أقام على برج وسط مملكته ناقوسا (جرس) يتدلى منه حبل يصل للأرض بغية تمكن أي إنسان طال قوامه أم قصر من جذبه. دهش الناس من فعل حاكم أمرهم بعد الانتهاء بالتجمع وسط المدينة لإبلاغهم عن وظيفة الناقوس ودوامه على مدار النهار , فما على الشاكي من مظلمة الا تحريك الحبل , فيقرع الناقوس إيذانا بدعوة القضاة لسماع الشكوى على أن يكون التحقيق والحكم فوريين والتنفيذ علنيا.

شاع الخبر في أرجاء المملكة وتناقلته ألسن بدأت في الترقب والهمس.كثر قرع الناقوس وتسارع القضاة للبت في المظالم , فكان من أثر معاينة الناس لتلك الإجراءات والتنفيذ السريع للأحكام ما تكفل بترهيب وردع أصحاب النفوس الضعيفة، فتناقص قرع الناقوس يوما إثر يوم بتناقص المظالم حتى ساد المملكة أمن وأمان.

مرت الشهور بعد الأيام فنسي الناس أمر الناقوس وترهل حبل الأخير وقصر طوله نتيجة تقلب عوامل الطقس بحيث لم يعد بمقدور أطول الرجال قامة الوصول إليه . وبينا كان الملك ماراً وسط المدينة , في معرض تفقده لأحوال الرعية, رأى حال الحبل فأمر النساجين بنسج آخر جديد . ولحين إتمام البديل، رُبط الناقوس بكرمة عنب متدلية للأرض.

في نفس المدينة، عاش تاجر جمع طائل أمواله من التجوال على ظهر حصان له شاركه الصولات والجولات. لكن الرجل الذي عرف عنه الشح رأى في شيخوخة حصانه عالة شقت عليه إطعامه , فقرر ببساطة التخلي عنه وإطلاقه. سرح الحصان هائما جائعاً دون طعام ومأوى تترصده كواسر الوحش والطير حتى أوصله شروده مصادفة الى وسط المدينة, فلمح أوراق كرمة العنب الخضراء متدلية من البرج إلى الأرض. وبدون تردد شرع في التهام الأوراق ليسد بها رمق جوعه. فإذ بالناقوس يدق لأول مرة بعد طول إنقطاع . تجمهر الناس وتجمع القضاة ليتعرفوا على مظلوم يطلب رد الظلم عنه: إنه الحصان الذي كان معروفا وصاحبه وقصتهما مشهورة للجميع.

وصل الخبر للملك فتألم وتأمل كثيرا في حكاية المركوب المسكين . فأصدر اوامره للقُضاة أن ينظروا في مظلمة الحصان. وبعد المداولات والتقصي سيق التاجر وحُكِمَ عليه بتحمل كل مصاريف حصانه من أكل وشرب ورعاية وإيواء الى أن يدرك الأخير الموت, وبهذا تحققت العدالة.

ورب سائل يسأل عن سبب ترنح العدالة في بلاد داست فيها المصطلح شعارات تراوحت من “التحرير” مرورا “بالصمود والتصدي” وصولا الى “الممانعة” وانتهاء بمحاربة “الفكر التكفيري” … فيقطع حبل التفكير عقول خاوية إلا من الرقص على نغم أكذوبة “الغضب الساطع آت” و “أجراس العودة فلتقرع”.

عذراً “فيروز” فالغضب امتصته برامج “super star ” عوض إتباع نصيحة “أوديسيوس” لولده في ” الاوديسة” , وأجراس العودة لا تقرع في بلاد غابت عنها أجراس العدالة. و”التحرير” ليس مقدمته فساد وقمع وسرقة وتجويع ……….. تذكري سيدتي أن طائرات “هتلر” حين لم تبق في “لندن” حجرا على حجر كان “تشرشل” ,إثر كل غارة, يخرج من تحت الركام مصرا على خط طريق النصر للأجيال عبر ترداد عبارته الشهيرة : “قضاؤنا بخير إذن بلادنا بخير”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى