ثقافة وفنون

بما حُرِمَ مِنهُ فَقِير. I المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

بما حُرِمَ مِنهُ فَقِير. I المحامي عبدالله الحموي

“رمضان كريم”, عبارة تبقى لسان حال الصائمين رغم قلة من يفقه معناها . قد يعزو هذا الأمر الى مورثات اجتماعية رسخت في الأذهان صفاتاً اشتهر بها الأقدمون . وأول مثال يخطر بالبال هما البذل والإطعام وكلتاهما تندرجان ضمن سلم مكارم الأخلاق . لكن الجهل الذي نعاصر شوه بسلوكياتنا هذه المفاهيم .

لنتمعن قليلا في مشهد ما قبل الإفطار لنرى تحول الأسواق الى ما يشبه خلية نحل والشوارع الى ميدان سباق . ولندقق، من ثم، في وجوه الهارعين لاحتضان المائدة قبل الأذان, لتبين لنا ملامحهم ما يشبه المَس. وكأن سلوكهم هذا أصبح شعيرة لا يقبل دونها صيام. ولنجري بعدها مقارنة بين مشهدين: أولهما لمائدة عمرتها الأطايب وحوت من صنوف البذخ ما يفوق حاجة المتحلقين حولها بأضعاف. وليكشف فراغهم من الطعام بأن هذه الأخيرة التي تعجز العين عن تمييز نقص محتواها, والتي صُرِفَ في تزيين أطباقها ما يفوق قدرة المزخرفين, لم تكن في الواقع إلا لوحة فنية ، وليس مشاركة عائلية للقيمات بغرض الإشباع .

أما الثاني, فهو لأشخاص يشكل النذر اليسير من المائدة الموصوفة أعلاه أقصى أمانيهم. وإن سألتَ عن هوية واحد من هؤلاء, والذي قد يصل به سؤ الحال والمآل لدرجة الإفطار على النية بسبب انتفاء ما يدخل الجوف أو يسد الرمق, فلن يكون مستغربا مصادفته قرب حاويات القمامة, منقباً عن فضلات موائد أبت أنانية أصحابها “رميها” في المكان الصحيح, فحرموا أنفسهم أجراً كان يمكن أن ينالوه دون نقصٍ الأموال .

من المفيد بمكان أن نفهم مغزى الصوم من خلال إستشراف مقاصد الشريعة . ولمن يتوهم مشقة الأمر, تذكره هذه العجالة بأن الله لم يجعل من رمضان موائداً نتسابق في زخرفتها بما يفاقم معاناة محتاجين من خلال سخاء في غير موضعه , نحن الذين نردد الآية القرآنية: {{ إن المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}} دون أن نتعظ بها.

إن وجد المرء غضاضة في بذل ما يفيض عن حاجته , فهو قطعا لن يجد حرجاً في الإكتفاء بهذه الأخيرة . وهو أمر إن حصل يُبدِلُ وِزرَهُ بأجر ويُسهِم في حل المشكلة أيما إسهام . ما يجعلنا نترحم على الإمام علي بن إبي طالب (كرم الله وجهه) كُلَما استَذكَرنا حِكمَته المشهورة: “ما متع غني إلا بما حرم منه فقير”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى