كبارة لـ”الرقيب”: ممنوع التنازل عن صلاحيات الطائف بأي ثمن
الشمال نيوز – عامر الشعار
*كبارة لـ”الرقيب”: ممنوع التنازل عن صلاحيات الطائف بأي ثمن*
*لا يجوز السعي للمكاسب السياسية على حساب الدستور ربط تأليف الحكومة بالخارج إهانة للبنانيين*
يكتم وزير العمل محمد كبارة صرخة، لو خرجت ربما كانت ستؤدي إلى إرباك الكثيرين.
يحاول جاهداً عدم التعبير عن حالة قرف من الواقع السياسي، لكنه يستخدم التلميح وتوجيه الرسائل، ربما لأنه لا يريد كسر الجرّة أو قلب الطاولة، أو ربما ينتظر التوقيت المناسب ليقول كلمته. لكن الواضح أن خبرة كبارة وتجربته العميقة، باعتباره “عميد” النواب، تمنحه هدوءاً لافتاً، أو ربما يترك هامشاً لنجله كريم ويتفادى تكبيله مسبقاً بمسار سياسي، وإن كان حريصاً على تثبيت التزامه بمسيرة البساطة في العلاقة مع الناس ومساعدتهم في حل مشكلاتهم، وخدمة طرابلس.
أطلق الوزير كبارة العديد من العناوين السياسية في حديثه إلى “الرقيب”.
*أين الوزير محمد كبارة اليوم، وهو الصوت الذي كان يدوي في السياسة؟*
ـ موجود دائماً.. نقول رأينا بصراحة وشفافية عندما نرى أي اعوجاج. لسنا من هواة المعارك السياسية الغوغائية، نحن نعلن مواقفنا من دون خوف ولا مصالح شخصية. لكن نحن الآن في مرحلة يحتاج فيها البلد إلى الهدوء، لأنه يكفيه هذا الواقع السياسي الذي يعيشه. عندما نرى أن هناك حاجة لموقف سنعلن رأينا بكل وضوح وصراحة.
*هل أنت محبط من الواقع السياسي أم من التحولات السياسية اللبنانية وفي المحيط، أي بالنسبة لسوريا؟*
– لا تتعلّق المسألة بما يسمّى إحباط. العمل السياسي فيه دائماً تحوّلات، ولذلك تسمّى السياسة بأنها فنّ الممكن. لكن، بالنسبة لي، التحوّلات لا تغيّر من الثوابت، وأنا ثابت في موقفي السياسي. لم تنفع معي سابقاً كل التهديدات والإغراءات لتغيير مواقفي، ولن تنفع معي اليوم أيضاً ما يسمّى التحوّلات. فليتحوّل من يريد، ولينقلب من يشاء، في النهاية التاريخ سيحاسب. الناس اليوم لا تملك قدرة على المحاسبة لاعتبارات كثيرة، لكن التاريخ هو الذي سيحكم. لذلك أنا لست محبطاً، أنا اليوم أراقب وأتابع وأعمل لخدمة الناس، لأنني أعتقد أن هموم الناس ومشكلاتهم الكثيرة ومعاناتهم اليومية أهم من السياسة وأربابها. الناس أهمّ منّا جميعاً. الدولة مقصّرة في حق مواطنيها، والسياسيون غارقون في وحول حساباتهم ومصالحهم وخلافاتهم واتفاقاتهم وشراكاتهم، بينما الناس لم تعد تحتمل هذا الواقع المعيشي والاقتصادي والخدماتي الذي صار فضيحة على السياسيين في كل المواقع أن يخجلوا منها.
*هذه ثورة من نوع آخر؟*
ـ إذا كان الدفاع عن مصالح الناس ثورة، فليكن.. اعتبروها ثورة. الناس كفرت بالسياسة والسياسيين الذين يتذكرونهم أيام الانتخابات ويقدمون لهم الوعود البراقة، ثم يختفون بعد الانتخابات! لم تعد هناك مصداقية للعمل السياسي في لبنان، ليس فقط بين السياسيين والناس، وإنما أيضاً بين السياسيين أنفسهم. الوعود الانتخابية حصلت أيضاً بين السياسيين، وعندما انتهت الانتخابات تبخّرت الوعود وصار أصحاب الوعود يطالبون حلفاءهم بـ”الواقعية” لتبرير التراجع عن وعودهم!
*هل تقصد جهة محدّدة؟*
ـ لا.. أقصد الجميع. لو أن رؤساء الكتل السياسية نفّذوا وعودهم لكانت الحكومة المقبلة من 100 وزير! الحكومة من 30 وزير ونعجز عن تأليفها، فكيف من 100 وزير؟! كانت تلك وعود انتخابية أيضاً تبيّن لاحقاً أنه لا يمكن تحقيقها.
*بما أنك اشرت إلى الحكومة، هل تعتقد أن عدم تشكيل الحكومة هو بسبب تعقيدات داخلية أم خارجية؟*
ـ بسبب الإثنين معاً. هناك تقاطع بين التعقيدات الداخلية والظروف الخارجية. لكن الواضح أن الضوء الأخضر الخارجي لم يأتِ لتشكيل الحكومة، ولذلك ظهرت الشروط والشروط المضادة في الداخل. لكن لو جاء الضوء الأخضر من الخارج بتشكيل الحكومة، لانتهت كل هذه التعقيدات الداخلية بسحر ساحر وتشكّلت خلال 24 ساعة. ما يحصل الآن هو ملء فراغ، أي أن الاتصالات لتشكيل الحكومة هي نوع من حركة في دائرة مفرغة. ما يقلقني هو أن ملء الفراغ يتسبّب بخرق متعدّد للدستور. ما يحصل يلغي جوهر اتفاق الطائف وتوازناته ومعادلاته. هل هذا هو المطلوب اليوم؟ سؤال نحتاج للإجابة عليه، لأن ما يجري سيفتح أبواب الرياح على التركيبة الداخلية، وقد أثبتت التجارب أن لا أحد يستطيع خرق التوازنات الداخلية. ممنوع التنازل عن الصيغة والصلاحيات المنصوص عنها في الطائف بأي ثمن. لا يجوز اعتبار المكاسب السياسية هدفاً على حساب الدستور. الطائف هو مظلّة جميع اللبنانيين، وإذا حاول أحد خرق هذه المظلّة فسيصيبنا البلل. أما إذا رمينا هذه المظلّة فإننا سنغرق. هذه هي المعادلة التي يجب على القوى السياسية أن تتنبّه لها اليوم، لأن المكاسب السياسية ستصبح كلها بلا قيمة إذا سقط الطائف لا سمح الله.
*هذه رسالة تحذير قوية.. لمن توجهها؟*
ـ للجميع.. الكل يسيء إلى الطائف اليوم.. والإساءة تكون بالتخطيط أو بالتنفيذ أو بالسكوت. أنا أحذّر، وعلى الجميع أن يدركوا مخاطر هذا العبث السياسي. إذا كانت الظروف الخارجية تمنع تشكيل الحكومة، فيجب علينا تشكيل درع وطني لحماية الصيغة اللبنانية من الانهيار. فليهدأوا وليعودوا إلى ضمائرهم، وليتعاونوا من أجل حماية الدستور في انتظار اللحظة الإقليمية التي تسمح بتشكيل الحكومة طالما أن البعض في لبنان يصرّ على ربط تأليف الحكومة بالصفقات الخارجية على حساب لبنان. هذه إهانة للبنانيين جميعاً للأسف. يمنعون تشكيل حكومة وطنية خدمة لمصالح خارجية.. غريب أمر هؤلاء الذين يحملون هوية لبنانية ويخدمون هوية خارجية.. ماذا بقي لديهم من الانتماء الوطني؟!
*هل تعتقد أن هناك سقفاً زمنياً محدّداً لتشكيل الحكومة؟*
ـ أولاً، لا يوجد سقف زمني للرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة. فلينتهي النقاش في هذه النقطة. كفى.. ونقطة على السطر. أما بالنسبة للمهلة المتوقّعة للتأليف، فأنا شخصياً أعتقد أنها لم تعد بعيدة، انطلاقاً من قراءة المعطيات الخارجية التي تمنع التأليف اليوم. لكن السؤال الأهم: إلى متى يستطيع لبنان التحمّل من دون حكومة؟ هذا أمر يجب وضعه على الطاولة.
*هل هناك خطر على البلد من دون حكومة؟ في السابق عشنا من دون رئيس جمهورية و10 أشهر من دون حكومة ولم يحصل شيء خطير؟*
ـ صحيح، ولكن أولاً هل يجب أن تكون هذه قاعدة في تشكيل الحكومات في لبنان؟! ثم، في تلك الفترة كانت الظروف مختلفة. نحن نتحدّث عن مخاطر على الاقتصاد والواقع الاجتماعي المعيشي الذي يكاد ينفجر. الاحتقان لم يعد فقط عند الموظفين والعمال، بل وصل إلى المؤسسات الصغيرة التي تعيش حالة إفلاس حقيقية. هناك مؤسسات تقفل أبوابها، والأرقام مخيفة. هؤلاء هم القاعدة الأساسية للطبقة المتوسّطة، وإذا انهارت الطبقة المتوسّطة لا سمح الله ستحصل كارثة. لذلك نحذّر من الاستمرار في هذا النهج الذي يدمّر البلد.
*هل تشكيل سيؤدي إلى إنقاذ هذه الطبقة؟*
ـ تشكيل الحكومة هو أحد أهم ركائز وقف المسار الانحداري على المستوى الاقتصادي في البلد. لا ننسى أن هناك مؤتمر “سيدر” الذي يشكّل نقطة الانطلاق لتعديل المسار الاقتصادي في البلد. هناك أكثر من 11 مليار دولار مقرّرة في “سيدر” يحتاجها لبنان بقوة لرفد الاقتصاد اللبناني بزخم تلك الأموال والمشاريع التي سيتم صرفها عليها، وبالتالي تنشيط الاقتصاد وخلق فرص عمل للشباب اللبناني الذي يفتّش عن فرصة عمل كأنه يبحث عن إبرة في كومة قش. كما أن تشكيل الحكومة سيمنح رجال الأعمال، في الداخل والخارج، الثقة بلبنان، وسيمنح السياحة فرصة عودة نشاطها، وسيمنح الدولة فرصة اتخاذ العديد من القرارات وإقرار قوانين مفيدة جداً في تحفيز الاقتصاد الوطني.
*لكن، هل تعتقد أنه مع وجود النازحين ستكون هناك فرصة للنهوض بالاقتصاد وعدم المنافسة في فرص العمل؟*
ـ الدولة هي صاحبة السيادة على أرضها، ويمكنها اتخاذ القرارات التي تحمي مواطنيها واقتصادها. خلال تسلّمي وزارة العمل، نجحنا إلى حد بعيد في حماية فرص العمل للبنانيين، ونجحنا في تقييد المنافسة الاقتصادية. لا أقول إننا نجحنا بشكل حاسم، إنما حقّقنا سقفاً جيّداً من هذه الأهداف. في كل الأحوال، يجب أن تكون هناك خطة وطنية للتعامل مع هذه التحديات. قامت وزارة العمل بما عليها، وتعاونت مع بعض الوزارات والمؤسسات الرسمية والأهلية، لكن يجب أن تكون هناك سياسة دولة في هذا الصدد، وإلا فإن ما حققناه سيذهب هدراً.
*بالانتقال إلى طرابلس. هل تعتقد أنك حققت ما تريده للمدينة؟*
ـ لا… أتمنى دائماً الأفضل ولا تتوقف طموحاتي وأحلامي في ما يمكنه أن نفعله لطرابلس. هناك هوة كبيرة على مستوى مشاريع التنمية في المدينة بينها وبين مناطق كثيرة. هناك ضمور اقتصادي عام في البلد، لكن في طرابلس هو ضمور فوق ضمور. طرابلس هي عاصمة لبنان الثانية، لكن عقل الدولة عاجز عن التعامل معها على هذا الأساس. طرابلس هي ثاني أكبر مدينة مساحة وسكانياً وإمكانيات، لكنها لا تنال حصة من التنمية توازي هذه الخصائص.
للأسف، هناك تحجّر في أذهان البعض يعطّل كثيراً من حقوق طرابلس، وكل الشمال. اليوم نحن نراهن على مؤتمر “سيدر” لأنه يتضمّن مشاريع للمدينة، ونأمل أن تساهم في إعادة الحيوية إلى اقتصاد المدينة، وأن تؤدي إلى تعويض طرابلس بعض ما فاتها من مشاريع التنمية، خصوصاً أن هناك آفاقاً واعدة على مستوى الاستثمار، سواء في المرفأ أو المصفاة. هناك آمال كثيرة معلّقة على المرحلة المقبلة بالنسبة لطرابلس، ونأمل أن تترجم على أرض الواقع.
بالنسبة لي، أنا أقوم بواجبي تجاه المدينة. الناس في طرابلس أوفياء، وقد منحوني ثقة غالية أحملها أمانة في عنقي. وما أقوم به في خدمة مدينتي وأهلي هو واجب عليّ ولا منّة لي فيه. وإن شاء الله سنستمر في هذا أداء هذا الواجب.
*عندما تقول “نستمر” بصيغة الجمع، هل تقصد نجلك كريم؟*
ـ كريم يتعامل يومياً مع الناس، وقد نجح في إقامة علاقات ثقة وودّ مع أبناء المدينة. وهو أيضاً يتابع معي كل شؤون المدينة وهموم الناس. ما ألمسه من الناس أنهم يحبونه، ليس فقط من جيل الشباب، ولكن أيضاً من مختلف الأجيال والطبقات الاجتماعية في المدينة. يقولون لي في طرابلس إنه “شعبي”، بمعنى أنه قريب من الناس. إن شاء الله سيتابع نهجنا في خدمة طرابلس والدفاع عنه وعن أبنائها. وكان يفترض أن يترشّح في الانتخابات ليقوم بهذه المهمة، لكن نزولاً عند تمنّي الرئيس سعد الحريري تراجع عن ترشيحه بناء على تفاهم مع الرئيس الحريري، وإن شاء الله أن يجد هذا التفاهم ترجمة له.