ثقافة وفنون

المخاطر المتزايدة

الشمال نيوز – عامر الشعار

المخاطر المتزايدة

يوما بعد يوم، نجد لبنان ينزلق نحو الهاوية، مثل عربة غدت فجأة بلا مكابح.
سائق، كان يراقب الأعطال التي تضرب سيارته. تعطل فيها الميكانيكا، قطعة بعد قطعة. وتعطل فيها نظام الكهرباء. ثم لم تلبث أن تعطلت فيها العجلات، واحدة بعد أخرى. فسد محول سرعاتها. وصار هديرها يصم الآذان. وأخذ الدخان، ينبعث، من موتورها، فوقف السائق عاجزا عن قيادتها، أو حتى السيطرة عليها، لركنها في مأمن عن السيارات الذاهبة والآيبة، على الخط السريع، الذي فرضتها على جميع السائقين، إدارة العولمة.
حال لبنان اليوم، الرسمي والشعبي. المدني منه وغير المدني. مثل هذة السيارة الهالكة. مثل هذة العربة المتعبة بسائقها. وبركابها. وبحمولتها وحقائبها. وبتفككها. وبعطالتها. وبالطريق العصري و السريع، التي تجتازها. فكلما سارت ميلا أو ميلين، إشتد الزحام عليها. وحاصرتها السيارات العابرة بها ذهابا وإيابا، فتزايدت الأخطار و المخاطر عليها.
لبنان، مثل هذة العربة المهترئة. شعبه ضائع وسط هذة الأخطار المتزايدة. لبنان مثل سفينة غرقى. لم يعد ينفعها عويل الركاب ولا عويل الربان. صارت تحت رحمة الأمواج العاتية. تضربها ذات اليمين. وتضربها ذات اليسار. تتقاذفها الأمواج، وتعلوها. فينخلع منها السقف، قبل أن تتخلع منها جنباتها. وقبل أن يتمكن رأس المحيط، من تحطيم رأسها، وتكسير متنها. وفصل مؤخرتها. وتشليع الناس، وقذفهم في أعماق اليم، بكل طيش، بلا رأفة ولا رحمة.
مخاطر لبنان، متزايدة يوما بعد يوم. كل تأخير عن إصلاح عربته. كل تأخير عن إصلاح سفينته، هو هوي في القيعان.
الإصلاح هو عنوان العمل، في هذة المرحلة المتأخرة من عمر لبنان.
مئة عام مضت، ولم ينهض لإصلاحه حاكم. ولا إنبرت لتحصينه هيئة أو إدارة. كل عام كانت الأخطار تتزايد عليه، حتى بات إصلاحه من سابع المستحيلات.
لبنان يجتاز اليوم أعظم الأخطار قاطبة. فهو مهدد في كيانه. مهدد في وجوده.
لم يعد يستطيع، إنتاج سلطة. عجزت قواه كلها، عن النهوض بهيكله، لجعله على السكة الحديد.
يتساقط برلمان الشعب، كتلا وأعضاء، ولا يستطيع تحمل إعادة الإنتخابات. صار حملها المادي ثقيلا عليه. صار حملها الأمني ثقيلا عليه. صار كما يقول الشاعر:
“لا خيل عندك تهديها ولا مال/.”
لم يعد بمقدور لبنان، تكليف رئيس حكومة. ولا تأليف حكومة. صار مثل هذا الأمر من الماضي. صار القديم على قدمه، ولا خيار من جديد.
لبنان لم يعد بإمكانه، أن يصلح “نعلة” أو “حدوة” لحصانه. لا يستطيع تأمين “برذعة” له. لا يستطيع توفير كيلة من شعير. صارت إدارة أزمته من الأولويات. صارت الدولة كلها، تبحث عن توفير مازوت لأفران بلا طحين.
لبنان يجتاز قطوعا تاريخيا، لم يعرفه، طول حياته. يرهن نفسه، لتنكة بنزين. ولجرة غاز. ولقارورة حليب للعيال.
لبنان، تجمد به الزمن، في “المقلب العشرين”. لم يعد بمقدوره، إجتياز السكة العصرية. لم يعد بمقدوره سلوك “الطريق القادومية”. صار يحتاج، إلى “بلاطة”، يسحب عليها، إلى كراج. يحكم فيه. يحكم عليه بالحجز الإحتياطي. بالحجز الإحترازي. خشية تسببه بأذى أو أذية.
المخاطر المتزايدة على لبنان يوما بعد يوم، أثقلت البلد الوديع. صار مكبلا بها. صار رهين أثقالها. وليس له من معين.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى