ثقافة وفنون

بلد يقاوم التآكل

الشمال نيوز – عامر الشعار

بلد يقاوم التآكل

لا أحد يعرف عمق المأساة التي يعيشها البلد أكثر من أهله.
هؤلاء على تماس مباشر، مع جميع قطاعاته دون إستثناء. يستيقظون حين يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ثم يبدؤون سيرهم بخطى وئيدة حتى أوساط الليل. يتنقلون من حقل إلى حقل. ومن قطاع إلى قطاع. ومن مسلك إلى مسلك. يتحملون كل المقاساة. يتحملون كل صنوف المعاناة. ويثبتون في طريقهم. ولا تعييهم المتاعب، ولا صنوف المتابعات.
لا أحد يعرف عمق المأساة التي يعيشها البلد، أكثر من أهله. فما بالكم إذا كان هذا البلد هو لبنان.
كل مشاكله واضحة، وضوح الشمس. كل قضاياه. كل مسائله. كل حاجاته، كل ما يحتاجه. كل ما يحتاج إليه.
واضحة كل الوضوح، حاجات لبنان. فهو، حتى في عز الصيف، إنما يحتاج إلى رقعة شمس.
بلد، وطن، مهترئ من كل جنباته. متآكل في جميع نواحيه وفي جميع قطاعاته. يلزمه كل شيء. وليس عنده الحد الأدنى من أي شيء.
بلد دهري، تآكل بمرور الزمن عليه. تآكل بمرور العربات عليه. تآكل بمرور المستعمرين، وبمرور الطغاة عليه.
بلد تآكل لطمع جيرانه. ولطمع أصدقائه قبل أعدائه. حتى صار مطمع القاصي والداني.
بلد تآكل لجشع أهله. فلم يتركوا لأبنائهم شيئا نافعا فيه. إستهلكوه، حتى آخر قطعة فيه. حتى آخر رقعة منه. حتى آخر حقل. حتى آخر نبع. حتى آخر قطرة. وما تركوا منه، إلا الهيكل العظمي.
كل شيء صار مهترئا متآكلا. كل شيء صار هالكا، في لبنان.
أرزه، يحفظه الله ولا يحفظه اللبنانيون. جباله تنهشها الأطماع. تباع وتشرى لأغراض مادية نفعية. لأغراض إستراتيجية. وليس حفاظا على البيئة. ولا للمحافظة على جمالها.
صارت الجبال الشاهقة مطلبا للصخر والرمل. تنهشها الكسارات. وتشفط رمالها الجرافات. وتردم الأودية بالنفايات.
لم تعد طرقاته سالكة. أكلت إسفلتها العجلات مع مرور الوقت. لم تعد سكك الحديد سالكة. باع اللصوص حديدها خردة، وبنوا على أرضها العمائر والشاليهات. وعبثوا بمحطاتها وخربوها، حتى لايفكر أحد أن يزورها، إلا أهل التعاطي والموبقات.
كان تلاميذ المدارس يتأدبون. يتعلمون: لبنان وطن، يحافظ أهله عليه، ويستشهدون لأجله، يدافعون عنه. يعلون بنيانه: أرضا وشعبا ومؤسسات.
أما اليوم، فلبنان صار بلدا هالكا، متآكلا، أرضا وشعبا ومؤسسات.
فلا وزارة فيه إلا هالكة، متآكلة. ولا مصلحة فيه إلا هالكة متآكلة. ولا إدارة فيه، إلا هالكة متآكلة.
صارت مجالسه وقصوره ومدارسه وجامعاته وقلاعه ومنشآته ومتاحفه ومنتجعاته وشواطئه وموانئه، وجميع قطاعات النقل فيه بلا إستثناء، تنازع أنفاسها الأخيرة. تؤجل موتها اليوم، للغد. لعلها، تسعفها أقدارها.
كل مصالح وإدارات القطاع العام، تفتقد أبسط الأشياء لتشغيلها: الورق والكهرباء والمازوت. حتى ضاق بها أهلها وهجروها، حياء من زوارها.
تآكلت عملة لبنان. هدرت أمواله، لحساب المحاسيب وأصحاب النفوذ. هدرت أموله للسياسين والمرتشين، ورجال الحاشية و أهل البطانة، التي تقرض الأموال، مثل الجراد.
لبنان اليوم، غدا بلدا يقاوم الإهتراء. يقاوم التآكل. يقاوم الأعداء، يقاوم الأقرباء. يقاوم الأصدقاء، لأجل المحافظة على حدوده، لأجل المحافظة على سمائه، لأجل المحافظة على شروط البقاء.
لبنان صار وطنا، يبتاع من أهله الولاء على القطعة. يوالونه. يدافعون عنه، إذا ما غض النظر عن السرقات. إذا ما تجاهل ضرب الكم مع أهل الجوار. إذا ما تساهل، في صفقة. أو في لطش أو في عقد. أو في شبهة أو في بازار.
لبنان صار بلدا مستهلكا( بفتح اللام). أكلته آكلة، لم يعرف لها جنس، ولم يعرف لها إنتماء، ولا لون.
آكلة تعششت في دوائره، فأهلكتها. آكلة عششت في ماليته وفي جميع موازناته، فقرضتها. نهشتها كما نهشت الأفعى، “ذو الإصبع العدواني”، فضرب به المثل، في التساقط والمعاناة، والتآكل والهلاك. نهشت إصبعه، فصار “ذو الإصبع” على مدى الأزمان.
لبنان صار مثل ذي الإصبع. مثل ذي الإصبع العدواني. نهشته الآكلة، فأهلكته، وأقوته وخربته وأكلته، فصار مشهورا بها: صار ذا الأكلة. صار ذا الآكلة.
لبنان، صار بلدا مأكولا. لم يبق فيه مرفق حيوي إلا تآكل. لا مرفق سياحي. ولا مرفق فندقي. ولا مرفق خدماتي. ولا منتجع. ولا معمل. ولا قطاع. جميعها منخورة بالسوس والقاطوع والآكلة. جميعها منخورة بالدود بالديدان. جميعها عصفت بها العواصف. قصفتها. حملت إليها مع كل ريح صرصر، جميع صنوف الحشرات. وجميع ألوان البعوض وجميع الوان الهوام المؤذية، حتى أحالتها كالعصف المأكول.
بلد غالته غوائل من أهله. وطن غالته غوائل أعدائه. غوائل الطماع والسحرة والمشعوذين والضاربين بالرمل.
لبنان وطنا يقاوم كل الأكلة، في عصر المروق والتفلت من القيم، والتهرب من القانون والدستور.
لبنان بلد يقاوم غاصبيه. يقاوم الآكلة. يقاوم تآكله منذ حين، حتى “عاد كالعرجون القديم.”

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى