الرئيسية / ثقافة وفنون / سبع سنوات مع الوزير الجسر: آن أوان الرحيل

سبع سنوات مع الوزير الجسر: آن أوان الرحيل

الشمال نيوز – عامر الشعار

*سبع سنوات مع الوزير الجسر: آن أوان الرحيل* …

مصطفى العويك

الكتابة مهمة شاقة، شقاؤها في نقاوتها، فعندما تريد أن تكتب على لوح الزجاج تسيّر يدك بسلاسة تامة خوفًا من انكسار اللوح، الذي يشكل هنا أداة الرسالة لا هدفها، فتركز على الآلية التي تكتب بها، أكثر من الكلمات…

والكاتب سواء أكتب نصه على الزجاج أو على الورق أو حتى تخيله يخرج من شفتيه راسمًا نفسه في لوحة أمامه تعلو السماء، فإنما نصه، ولده، الذي يريد للناس أن يقرؤوه بتحبب وانجذاب كبيرين، وأن تحفر كلماته في ذاكرتهم، ويستخدمونها كلما دعت الحاجة لذلك. لذا يسعى لإلباسه أفضل الثياب (الكلمات) من أهم الماركات العالمية، ويسرّح له شعره ويعطّر رقبته ويهندس شكله الخارجي الذي يمثل جواز سفره نحو المشاهد، القارئ. لذا فالنص الذي لا عطر له، لا يشمه أنف، والكلمات الهاربة من ثوبها، تعتريها الفوضى، والقارئ الحكيم لا تشده الفوضى لا في العبارات ولا في الممارسات، ينظر إليها على أنها أحرف لقيطة تبحث عن كلمة لا معنى لها لتمنحها هوية تكون بمثابة حياة لها، والأحرف اللقيطة لقيطة بكاتبها ليس بذاتها، فليس هناك حرف لقيط ولا مكتوم القيد، طالما أنه يوجد كاتب يمنحه شهادة ولادة في عبارة مختومة من دائرة نفوس الإبداع اللغوي، والكاتب المبدع هو خيّاط في الأصل، وعطّار في الفطرة، وبستاني بالممارسة.

لا أدري صراحة لماذا وجدت نفسي أغوص في هذه المقدمة الطويلة التي سيعتبرها الكثير خارج الموضوع المشار اليه بالعنوان. وهو اعتبار مبرر، خاصة وأن المناسبة التي أتصدى لها ليست مناسبة أدبية، ولا هي مناقشة لأساليب الكتابة وأنواعها وأشدها تـأثيرا، وأنا لست مختصا في الأصل بهذا العلم ولا ألم به كل الإلمام.

لكن على مدى شهر من الزمن وأنا اتخبط من أين أبدأ في الكتابة عن علاقة استمرت سبع سنوات ونيّف مع رجل يحترمه الناس لكنهم كثيرًا ما يرسمون حول أدائه السياسي علامات استفهام تفيد الإنكار لإنجازاته، وعلامات تعجب للتعبير عن اندهاشهم من سماع ما لا يعرفونه عنه.

عندما التقيت للمرة الاولى بمعالي النائب سمير الجسر في مكتبه، بعد أن رشحني أستاذي مايز الادهمي أطال الله بعمره، لأكون مستشارًا إعلاميًا له، لم أستطع أن أكوّن انطباعًا ولو أوليًّا عنه. كلّ ما خرجت منه في تلك الجلسة الصغيرة كان شكليًّا: رجل ضخم، صوته رخيم، قليل الكلام والحركة، يهتم بالتفاصيل. لا أذكر أنّني كونّت أكثر من هذه الأمور عنه.

يومها طلب مني أن أضع بين يديه مجموعة من المساهمات والمقالات والتقارير الصحفية التي كنت أنشرها، ليقرأها ومن ثم على ضوئها نعقد اجتماعًا ثانيًا نتحدث فيه في عمق الأمر، وهذا ما حدث: استعنت بمكتب سكرتيرته التي ستصبح زميلتي في المكتب، السيدة ديما مخلوف، وطبعت خمسة عناوين مختلفة المضمون والتصنيف، وسلمتها إياها ورحلت…

بعد أسبوعين تلقيت اتصالا من رقم عادي، أجبت، فإذا المتصل يعرّف عن نفسه: معك سمير الجسر، دون أي لقب او إشارة، هل يمكننا أن نلتقي اليوم مساء؟ كان جوابي: طبعا…
وكان اللقاء الثاني في منزله، استمر لساعة ونصف الساعة، وأذكر ان أوّل سؤال بادرني به: كم عمرك؟ 25 سنة، قال: إنّ كتابتك أكبر من عمرك، إنّك مطّلع جيّد، ومدرك لحيثيات العملية السياسية”. تلعثمت في الحقيقة، وكانت ابتسامتي التي تخفي وراءها سعادة كبيرة بهذا الكلام، ردي على ما تفضل به، ورحنا بعدها نغوص أكثر في السياسة اللبنانية، وما لفتني أنه قرأ المقالات الخمس بحضور ملحوظ، وزوايا مختلفة، وهدوء قلّ نظيره، وقلت في نفسي يومها: إنني أمام الرجل الذي كنت أبحث عنه…

تم الاتفاق على الصيغة وآليات العمل والراتب والحضور في المكتب وكل تفصيل يرتبط بأي عمل جديد. لتبدأ بعد ذلك رحلة استكشافي لهذا الرجل وطريقة تفكيره وعمله وكيفية تعاطيه مع الناس، ومصالحهم، ومدى حرصه على البلد التي يمثلها في الندوة البرلمانية وفقًا لمفهومه الخاص.

أراني الان أعود الى ما أشرت اليه في المقدمة، عن الكتابة ونقاوة عباراتها. فكيف يمكن لكلماتك أن لا تكون “نقية، وبنت حلال، وطيبة وصافية..”، عندما تستخدمها لوصف رجل مشكلته الأساسية في محيطه وبلده أنه “نظيف”، و”آدمي”، رجل يعيّر في زماننا أنه صاحب ضمير، وخلوق إلى درجة الحياء، ملتزم ومتزن في الوقت الذي نعيش فيه خروج كليًّا عن القيم والعقلنة؟

كيف يمكن لعباراتك أن تكون سوداوية وأنت تتحدث عن الثلج؟ أو أن تكون جُملك متسرعة منفعلة متفلتة من الضوابط الأخلاقية، وأنت تصف بها حكمة نقيب للمحامين ووزير عدل وتربية، لم يره الناس منفعلا ولا غاضبّا، ولم يمسكوا عليه تصريحًا واحدًا فيه خروج عن الأدبيات الوطنية والسياسية. سياسي يحظى باحترام شخصه وعلمه وسعة اطلاعه من الأخصام بالقدر الذي يقر له بذلك الحلفاء وأبناء البيت الداخلي، الذي لا يؤمن الجسر بالخروج منه أو عليه، على عكس ما فعلت أنا منذ سنتين يوم قدمت استقالتي من تيار المستقبل، لأسباب ليس مدار بحثها أو الحديث عنها هنا.

تعلمت مع الأيام أن العبارات لا تخون، وأن اللغة وفية لأهلها الذين ما أقاموا وزنًا لهذا الوفاء، وأن الكتابة نوع من التعويض للذات والوفاء للآخرين، وقد علمني والدي أن الرجل لا يكون رجلا إلا بوفائه لضميره وقناعاته ولأهل الفضل عليه، وهذا ما وجدته أيضا في مدرسة سمير الجسر. وهذا خط سيري في حياتي منذ أن بدأت التعاطي بالشأن العام.

في نهاية السنوات السبع التي عرفتك فيها ومن خلالها، وعرفتني كذلك فيها وعبرها، والتي سادها كأية علاقة بين طرفين، اشتباكات كلامية من العيار الخفيف، واختلاف ودي في وجهات النظر تجاه بعض الملفات وطريقة التعبير عنها، وود وحب واحترام وتقدير ليس لهم مثيل، أشهد الله الذي أدرك أنك تعمل لإرضائه وضميرك من بعده، أني كنت أمينا وفيا صادقًا في كل ما قدمته من خدمات إعلامية واستشارات، وكنت دائما أكيّف عبارات البيانات التي تحوّلها إليّ مع شخصيتك، ولكم بت فخورا عندما وصلنا بعد مدة بسيطة الى المرحلة التي لا تعدّل فيها من الكلمات إلا بما نذر. وأشهد الله أيضا أنك كنت دائما منصتا، مصغيا، مستفسرا مناقشا ناصحا، موجها، خلوقا في كل قول أو طلب أو عمل، ولا زال صدى كلمة: “الله يرضى عليك”، التي كنت تختم بها أي اتصال معي أو حديث مباشر، يرّن في أذني كأنك تقولها على الدوام. كما وأشهد الله أنك أكثر من يحب هذه المدينة ويعمل لها بصمت، وهذا ما كان مدار نقاش طويل بيننا خاصة فترة الانتخابات النيابية الأخيرة، التي وفقنا الله بالفوز بها، وبنجاح الخطة الإعلامية التي وضعناها، مترافقة مع الحملة الإعلامية على الفيسبوك بالتعاون مع الأستاذ سامر رمضان.

ولأن لكل حقبة بداية ونهاية، انتهت بالأمس هذه الحقبة المشرقة، على أن حبل الود والمحبة والوفاء والاحترام باق لا يمكن قطعه على الإطلاق.

النهايات بطبعها مؤلمة، لكنها تتحول إلى بدايات مثقلة بالتجارب.
والبدايات مؤلمة هي الأخرى لأنها تشبه مخاض الولادة، فأسال الله عز وجل أن يوفقني لما أنا مقبل عليه.
معاليك، وهي الكلمة التي أحب ان أناديك بها، بارك الله بعمرك وعلمك وجهودك، وسدد خطاك لما فيه الخير دائما، وأبقاك متقد الفكر واعيا لما يخطط لنا كأمة في الداخل والخارج، ومتعاليا عن الصغائر، وحريصا على البلد وأهله.
ولعائلتك كل الحب. للأم الزاهدة في تواضعها وكريمة الأخلاق والنسب، السيدة سلام.
للأستاذ غسان الذي ترافقنا سويا في أكثر من محطة، وكان مثالا للأخ المسؤول الصادق ابن أبيه. وللأستاذين عدنان ورامي أصحاب السمعة الطيبة والأخلاق الحسنة.

ولزملائي في المكتب جميعا: ديما الأمينة، الحريصة والسريعة الانفعال، وسيم المشاكس من بعيد والمُحب بعقله، لنور صغيرة المكتب والأشد عاطفة، لزاهر رجل المهمات السريعة. لكم جميعا شكري على تحملي كل هذه السنوات، وعهدي إليكم دوام التواصل واللقاء.
لأعضاء اللجنة الاستشارية التي تضم خيرة رجالات وسيدات البلد، كل المحبة والشكر والاعتزاز والفخر بمعرفتكم.
ولأبي محمد، ناطور بناية “الصعيدي”، وزملائه يحي وأحمد، الذين لطالما دردشت وإياهم حول الاوضاع العامة في لبنان، وتحدثنا مفصلا عن الوجع السوري الذي فروا منه، لن أنسى جلساتكم وأحاديثكم وسأحرص على أن تبقى بين الفينة والأخرى.

عن amer shaar

شاهد أيضاً

فتحي أبو العردات بضيافة صالون ناريمان الثقافي في طرابلس

الشمال نيوز – عامر الشعار ليلى دندشي إستضاف “صالون ناريمان الثقافي”بطرابلس أمين سرّ حركة فتح …