مقالات مختارة

الأيوبي والترسيم.. حزب الله وسرّ الوقوف

الشمال نيوز – عامر الشعار

بقلم مروان الايوبي

وردني من أحد الأصدقاء عتاب عن مقالي ” الترسيم.. حزب الله وسرّ الوقوف ” معتبرا أنّ في المقال ” روح 14 آذاريّة ومكتوب بروح سلبيّة لا تحمل ما يحمله العروبيّون تجاه المقاومة ضدّ العدوّ الصهيوني.”
وكان من المحبّب أن أجيبه شخصيّاً, لكن نفسي راودتني عن نفسي مكرّرةً كلامه وهي تعيد الذاكرة بي إلى الوراء.. الى المظاهرة الأولى في العام 1967 وإن لم أبلغ سنّ الفتوة بعد, والى التظاهرات الطلّابيّة في بداية سبعينيّات القرن الماضي قبل انتمائي الى أحد التنظيمات الناصريّة.. عدت إلى حرب السنتين وما بعدها إلى أوّل عمليّة ضدّ السفارة الأميركيّة في بيروت وتفجير مركز جون كينيدي الثقافي في تشرين الثاني 1977 عقب زيارة السادات إلى القدس. وإلى العام 1978 أثناء العدوان الإسرائيليّ على جنوب لبنان حين حوصرنا وصمدنا في مدينة صور مع قلّة قليلة من المقاتلين.. إلى جبال صنّين 1981 وإلى اجتياح لبنان وحصار بيروت 1982 حين أطلقنا مع رفاق من الحركة الوطنيّة اللبنانيّة جبهة المقاومة الوطنيّة ضدّ الاحتلال..
شريط الذكريات عابق بالمحطّات.. حلوها ومرّها.. ضاجّ بالحياة كمدينة بيروت بأحلامها وآمالها.. بالعذابات والآلام.. وبالروح الوثّابة خلف كلّ معرفة ووراء أيّ خبر.. لم يغرّنا السّلاح لإبراز فتوّتنا بقدر ما أغرانا الجلوس بين المثقّفين العرب نتلصّص على النقاشات والحوارات التي تدور بينهم على مقاعد مقاهي شارع الحمرا.. كان الرصاص بالنسبة إلينا أغنية ونشيداً وكانت دماؤنا التي سالت غزيرة بقعة حمراء تخطّها ريشة فنّان تشكيليّ على جداريّة الحياة أو الموت.. الأمر سيّان ما دام الدم يكتب التاريخ.

وبعدها خرجت المقاومة الفلسطينيّة من بيروت لكنّ فلسطين بقيت.. في العقل والوجدان واستمرار الرصاص الذي يزغرد في مواجهة العدوّ بدءاً من شوارع بيروت وفي كل المناطق حتّى عمليّتنا الأخيرة في 18/11/1990 حين سقط لنا أربعة شهداء وتخلّى عنّا الجميع ولم نتحدّث بكلمة عمّا جرى حينها وبعدها حرصاً على المصلحة الوطنيّة والقوميّة… في شريط الحياة هذه, محطّة أساسيّة يفيد استذكارها في مقاربتنا اليوم للدور الإيرانيّ في المنطقة.. كلّنا نذكر كم انتشينا بالثورة الإيرانيّة وكيف اندفعت الوفود لزيارة طهران ولقاء قائد الثورة الإمام الخمينيّ.. فرحنا وهلّلنا لرفع العلم الفلسطينيّ فوق سفارة إسرائيل ورفعنا رايات النصر باقتحام السفارة الأميركيّة في طهران. كنّا نحسّ بالعجز بعدما خرجت مصر من دائرة الصّراع العربي الإسرائيلي فجاءت الثورة الإيرانيّة لتنقل إيران من موقع الجار اللدود إلى الجار الصديق وهي التي تنتصر لفلسطين. يا صديقي,

أنا كتبت بروح مشبّعة بالقهر.. من حالنا التي وصلنا إليها.. من عبدة الأوثان وسحرة العرش وندماء السلاطين.. أكتب بقلبٍ حزين.. على الشهداء الذين رسموا بدمهم أحلامنا.. رحلوا كأنّهم ما كانوا.. وحوّلنا أحلام الناس إلى كوابيس الفقر والجوع والعوز. أسدلنا الستار على الشروق وتركنا الناس في العتمة المظلمة. أتعبنا تجّار الدم والقضيّة.. وأتعبنا المسار الطويل الذي سلكناه بلا هدف.. نحن شعب لا نجيد إلّا النشيد, نصنع من انكساراتنا نصراً ونتلطّى خلف جدار الوثنيّة والعصبيّات والخطب الشعبويّة.. الحديث عن الوجع يطول لأنّه يمتدّ على مسار العمر الذي انقضى وأوصلنا إلى القعر.. لذا سأكتفي بأن أقلب صفحة الوجع الذي أدمنّاه لأوجز بضع أمور وأضع نقاطاً على حروف الأبجديّة الأولى..

أوّلاً: كانت روح 14 آذار فائض الغضب عند الشعب من الوصاية السوريّة والاغتيالات السياسيّة التي افترض الناس أنّها صفحة طويت بعد اتّفاق الطّائف وهي فائض الخوف من المستقبل المجهول والذي وصلنا إليه للأسف. كان انفجاراً بحجم زلزال واستهدف رجلاً (لست في معرض تقييمه) عقدت الناس آمالاً عليه… روح 14 آذار هي تلك الجموع التي خرجت بمئات الآلاف تنشد استقلالاً وطنيّاً حقيقيّاً وسيادة وحريّة وكرامة.. تلك الجموع لم تبتدع شهود الزّور.. لم تعنيها الألعاب السّياسيّة وهي على كلا المحورين ألعاب خفّة.. انتفضت لأوّل مرّة لكن انتفاضتها كانت هائمة بفعل ضغط الانفجار وفي المقابل كانت 8 آذار تهدي بندقيّة صهيونيّة للمفوّض السّامي السّوري.. وقرّر ذلك المحور اختصار 14 آذار بالأحزاب الغاءً لفعل الجموع الشعبيّة. ثمّ تراشقا بالتخوين المتبادل قبل أن يتحالفوا في الانتخابات النّيابيّة بعدها بأشهر تحت مسمّى الحلف الرّباعي.

ثانياً: مشهديّة الجموع الهائمة الباحثة عن مصدر رزق وعيش كريم تكرّرت في 17 تشرين 2019. كانت فعل شعبي بسيط تدحرج ليصل إلى أكثر من 60 ساحة في المدن والبلدات اللبنانيّة وبعيداً عن أيّ اصطفاف سياسي أو انقسام طائفي مذهبي. عشرات بل مئات الألوف لم يطلبوا إلّا حقّ المواطنة. كانت الحشود الأولى في بيروت من بيئة المقاومة لكن الحزب لم ينتظر أكثر من ثلاثة أيّام ليعلن أنّها فعل سفارات والقى تهمة العمالة على الجميع قبل أن يقرّر اختراقها في حين عمدت أحزاب أخرى إلى تسلّقها وهدف الاثنان واضح إجهاض هذه الحركة الشعبيّة المتفلّتة من كلّ دين سياسيّ أو مذهبيّ. بنى الحزب سور الصين حول الضّاحية وحين تفلّتت بعض الأصوات داخلها عمد إلى تكميمها بالترهيب الجسديّ أو المعنويّ.. ثمّ قرّر الحزب الرّكون إلى الأحزاب التي يعرفها مفسدة الحياة العامّة في لبنان خوفاً من المجهول الذي تمثّله هذه الانتفاضة وكانت سقطته الأخطر في تاريخه. ولست اليوم في معرض الحديث عن 17 تشرين, حقائقها والانتكاسات التي تعرّضت لها بفعل الاعتداءات المباشرة أو في غياب قيادة وطنيّة قادرة.

ثالثاً: العروبة ليست مصطلحاً لغويّاً محض أو مجرّد رابطة حضاريّة تتّصل بالماضي فقط, وليست ايضاً لبوساً لهويّة باتت ملتبسة بفعل الوقائع. العروبة قبل الانتماء هي مشروع نهضويّ لأمّة مفترضة لم تملك يوماً مقدّرات أمورها أو تتّخذ شكلاً دستوريّاً لكنّها أيضاً تملك مقوّمات الحياة والحضور السّياسيّ كما الحضاريّ.. وبهذا المعنى فإنّ الاستيطان الصهيونيّ في فلسطين كان مشروعاً استعماريّاً عائقاً أمام تشكّل الأمّة في توقيته قبل أن تستمسك القطرية الوطنيّة داخل العقل العربي. وبهذا المعنى الإصطلاحي للعروبة فإن فلسطين كانت ولا تزال قضيّتنا المركزيّة… والمقاومة هي إحدى أهم ركائز تحريرها في ظل الواقع المتردي للنّظام العربي.

لكنّ المفارقة تكمن في هويّة هذه المقاومة وفي مشروعها قبل مشروعيّتها التي تستمدّها من دم الشّهداء. وبعيداً عن إتفاقيّة أوسلو وتداعياتها على القضيّة الفلسطينية فإنّ الهويّات الملتبسة للمقاومات الفلسطينيّة أدّت الى ما يشبه الدويلتين في الضّفة الغربيّة وفي غزّة. أمّا في لبنان فإنّ ما اعتبرناه تطوّراً في خطاب حزب الله الأوّل (إقامة الجمهوريّة الإسلاميّة في لبنان) يردّنا ثانيةً إليه.. إذ يؤرّخ لتأسيس المقاومة بالعام 1979 أي إلى الثورة الإيرانيّة.. وهذا ليس مجرّد إجحاف للتاريخ بل تزوير فاضح له.. ولا أسباب تبرّره سوى ما يضمره الحزب من وحدانيّة مقاومته في عقول الأجيال الجديدة تحت راية الوليّ الفقيه لإبراز الهويّة الشيعيّة للمقاومة وهي هويّة ما دون الوطنيّة في جانبٍ منها ثمّ أنّها مدعاة لتظهير هذه الهويّة المذهبيّة في باقي الوطن العربي مقدّمة لاختراق العروبة فكراً وهويّة وانتماء.

هل نتحدّث عن مشهدية الميليشيات الشيعيّة التي دخلت العراق خلف الدبّابات الأميركيّة وكيف نُهبت ثروات العراق وأيّ مستقبلٍ للعراق اليوم؟
أو نتحدّث عن اليمن وكيف انقضّ الحوثيّون على ثورة اليمن بالتصالح مع علي عبد الله صالح؟! ناهيك عن سوريا وتدميرها.. العروبة لا تستقيم بالتدخل من الجار بشؤونها الداخليّة ولا بتفتيت نسيجها المجتمعي بحجّة الظلم الذي يلحق بالشيعة من نظام مستبدّ, لأنّ الاستبداد في طبيعته عام يطاول مختلف فئات الشعب وإسقاطه مهمّة نضاليّة وطنيّة لا تقتصر على فئة دون أخرى.

مشكلتنا أنّنا قرّرنا خلع هويّتنا الوطنيّة والقوميّة ولبسنا هويّات ملتبسة طائفيّة ومذهبيّة وإثنيّة.. يسهم الجار قبل العدو في استغلالها لتفتيت المنطقة ويتناغم بذلك مع المشروع الأمريكي في إعادة رسم خارطة المنطقة جيوسياسيّاً. وبهذا المعنى فإنّ أدوات “الفوضى الخلّاقة” التي تحدّثت عنها كوندوليزا رايس هي بالتمذهب ثم بتسليحه وتمكينه بكلّ عناصر القوّة.. بتنا اليوم كما في السابق أمام خيارين الاستبداد أو الاحتلال دون القدرة على صناعة خيار ثالث.. هكذا كان حال العراق 2003 وسوريا واليمن ولبنان اليوم..

قد يكون هذا الكلام قاسياً لكنّه ضرورة ليس للاقتصاص من المقاومة فكراً ومساراً وإنّما حرصاً عليها.. فقد تعلّمنا أنّ شرف الأساليب يجب أن يتكافئ مع شرف الغايات.. ما نريده ليس مقاومة شيعيّة أو سنيّة أو مسيحيّة وإنّما مقاومة وطنيّة تستند إلى شعبها وأساس ذلك بناء مجتمعٍ حرّ واقتصادٍ صلب. فحين حوصر عبد الناصر في الفالوجة نتيجة فساد الأسلحة قال أنّ ساحة القتال الحقيقي في مصر قبل فلسطين.
ما نريده أن يتلبنن حزب الله, فاللبننة بعض العروبة إن لم يكن كلّها وأن تكون إيران جاراً حليفاً وليس دولةً طامعة في اقتسام المنطقة مع تركيا والعدوّ الصهيوني..

إنّها دعوة للتصالح على قاعدة المواطنة والديمقراطيّة يلزمه حوارٌ مجتمعيّ لا حوار طرشان بين منظومة سياسيّة فسدت ونهبت مقدّرات البلد.

بقلم مروان الايوبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى