مقالات مختارة

علي شندب يكتب في اللواء: انفجار الشارع وانفجار الترسيم ؟

الشمال نيوز – عامر الشعار

علي شندب

رغم أن اقتحام “بسّام الشيخ حسين” لفرع مصرف “فدرال بنك” حيث يودع أمواله، ليس السابقة الأولى. فالسابقة، محفوظة وقائعها للمودع “عبدالله الساعي” بداية العام الحالي في البقاع الغربي والذي استحصل على وديعته الخمسين ألف دولار أميركي بالقوة، بعدما اتخذ من موظفي المصرف رهائن، ما دفع ادارة المصرف لتسليمه وديعته تحت وطأة التهديد بما لا يحمد عقباه. وليسلّم نفسه بعد ذلك للسلطات الأمنية والقضائية التي أوقفته نحو شهرين، واضطرت للافراج عنه بعد حملة تضامنية واسعة معه.

بالأمس وبسرعة دراماتيكية حوّل بعض الإعلام والفضائيات العربية “بسّام الشيخ حسين” من صاحب حق، الى محتجز رهائن ومنفّذ عملية سطو ومستقو على ادارة المصرف. هكذا تنافست بعض الفضائيات في بثّ عواجلها الإخبارية التي فضحت رغبة بعضها في تحويل الأمر وكأنه عملية إرهابية، ينفذها محترف سطو على المصارف.

لكن الضغط الشعبي، تحوّل تظاهرة تضامنية مع الشيخ حسين الذي ألبسه زملاءه المودعين من ضحايا السلطة والمصارف عباءة البطولة، حتى بدا بمثابة أيقونة حقيقية لاسترداد الحقوق من أمعاء المصارف المحمية من سلطات النيترانيوم والفساد، وسرقة اموال الدولة والمواطنين على حد سواء.

بهذ المعنى بدت “فعلة” بسام الشيخ حسين البطولية بمثابة الأمل المرتجى الوحيد لاسترداد الحقوق، ويرجح أنّها ستشكل القدوة لمئات وعشرات المودعين الذين يريدون استرداد جنى عمرهم، خصوصاً بعدما تبين أن هدف زميلهم “البطل” هو معالجة والده الذي تردّد أنه يمرّ بحالة صحية حرجة، شرحها الرجل مراراً لإدارة المصرف التي تعاملت معه باستعلاء غير آبهة بحقه وبحالة والده الصحية حتى حصلت الواقعة التي ضجّ به الرأي العام اللبناني والعربي.

نقمة الناس والشارع كانت كبيرة على الجسم القضائي في لبنان، فهو الجسم المتلاشي والذي بات أشبه بمربعات قضائية متناسلة من مربعات أمنية. وكلنا يذكر أن السلطة إياها جعلت من سلوك بعض القضاء أشبه بسلوك الميليشيا. فلقد طوّعت مكوّنات السلطة كل حسب تموضعها بعض القضاء لتخوض عبره معاركها السياسية لترويض خصومها والشواهد على ذلك كثيرة. ولعلّ واقعة إقتحام مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، لمصرف لبنان المركزي بهدف توقيف واعتقال حاكمه، ما أدى لإصطدامها بالنيابة العامة في بيروت صاحبة الصلاحية المكانية في الملاحقة، وليتحول اقتحام غادة عون لمصرف لبنان الى فضيحة وانتكاسة حقيقية للقضاء برمته وليس فقط لعون ومرجعيتها السياسية والحزبية.

موجة تحصيل الحقوق بالعنف والقوة، تأخرت قليلاً، بعدما ضربت لها مواعيد سابقة، وتأخرها ناتج عن حسّ المسؤولية من قبل أصحاب الحقوق المودعين والمُفقَرين والجائعين، وليس من سلطة متكلسة لم تجلب الى لبنان سوى مزيد الانهيارات وفي كل القطاعات العامة والخاصة، فوسّعت مساحة الفقر والفقراء وجعلت من مدن بأكملها وليس ضواحيها أحزمة بؤس حقيقية وعلى امتداد لبنان وربما مخيماته الفلسطينية ومنها “مخيم عين الحلوة” الذي هزّه “الإغتيال اللغز” لمسؤول الارتباط في قوات الأمن الوطني الفلسطيني العميد سعيد علاء الدين الملق بـ “العسوس”.

وعليه فان موجة الإحتجاجات الغاضبة مرشحة للإنفجار الدراماتيكي. إنفجار غير مستنسخ عن مظاهرات 17 تشرين السلمية رغم ما أصابها من ضغوط وتهديدات. انفجار شعبي وبحسب ما سبق وتوقعته تقارير أمنية متعدّدة، وأخرى للأمم المتحدة والبنك الدولي قد تؤدي لاندلاع حرب داخلية في لبنان. بمعنى آخر، أن الإحتجاجات هذه المرّة يرجح أن تكون مسلّحة، وثمة أطراف داخلية بعضها أعدّ العدة العسكرية بحسب تقارير إعلامية، ستستثمر في الإحتجاجات العنفية المرتقبة لتكون جاهزة تحت شعار حماية مناطقها وجماعتها..

اقتحام بسّام الحاج حسين مصرفه في منطقة الحمراء في بيروت، خطف الأضواء والمتابعات الإعلامية عن كل الأحداث السياسية اللافتة التي شهدها لبنان تزامناً، ومنها وضع إشارة “الحجز الاحتياطي” على أموال وممتلكات عائدة للنائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر، بفعل “مسؤوليتهما المباشرة عن عرقلة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت”، وفق الادعاء المقدّم ضدّهما من أهالي الضحايا. لكن هذه الخطوة من “إخبار” أهالي ضحايا إنفجار المرفأ، تشكل تفصيلاً صغيراً في أصل “الإخبار” المقدم ضد عشرات النواب والوزراء والقضاة وكبار الضباط والموظفين الكبار في الجمارك وادراة مرفأ بيروت، كما تشكل الاوراق والمراسلات الثمينة التي تضمنّها “الإخبار” نوعاً من مضبطة إتهام ضد أسماء جديدة لم تشملهم التحقيقات السابقة في انفجار المرفأ والمعطّلة منذ بضعة أشهر.

يبقى أن اللقاء الذي جمع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مع وفد من قيادة حزب الله وضمّ المعاون السياسي لزعيم حزب الله حسين الخليل ورئيس الارتباط وفيق صفا، بمثابة الحدث الأهم الذي طبع المشهد السياسي اللبناني، وتمكن من إختراق ملف “إقتحام المصرف”. لقاء استرجاع الودّ والصراحة بعد فترة خصومة طويلة، فرضته حاجة الطرفين المتداخلين جغرافياً ودينوغرافياً خصوصاً مع  ارتفاع منسوب تنفيذ حزب الله لتهديداته فيما بعد بعد كاريش، ربطاً بتسريبات إعلامية تتحدث عن موقف اسرائيلي سلبي حيال ملف “الترسيم” ليس للخطوط البحرية والمخزونات الطاقوية، وإنّما لمواقع النفوذ الإقليمية والدولية التي وضعت لبنان ضمن مدارات النفوذ الإيرانية – الروسية بغض النظر عن مفاوضات فيينا ونتائجها. لكن الاستحقاق الأهم هو حسم “اللقاء الجنبلاطي الحزبلّاهي” لمواصفات رئيس الجمهورية المقبل “غير المستفز” لأي طرف، في ظل ضبابية البديل الخليجي الفرنسي وتعثره بعد استدارة جنبلاط باتجاه حزب الله.

باختصار شديد، المرحلة المقبلة ستكون حافلة بتطورات ساخنة ومفتوحة على احتمالات عدة بينها الحرب، الأمر الذي يدعو لاعتبار مواجهة “المُسيرات الاسرائيلية” الليلة الماضية فوق بلدة ميدون في البقاع الغربي أكثر من جسّ نبض لاقتراب لحظة اندلاعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى