عربي ودولي

الزمن الضائع في حياتنا

الشمال نيوز – عامر الشعار

الزمن الضائع في حياتنا


مقالتي السنويةبمناسبة رأس السنة الميلادية :


إن من أخطر ما يواجه الإنسان في هذا الوجود منذ إدراكه وحتى وفاته مصيبة ضياع الوقت وعدم استغلاله فيما يفيده في الحياة الدنيا والآخرة ، فكل فائت في حياته قد يستدرك إلا ما يفوت من الزمن .
والزمن يعتبر البعد الفيزيائي الرابع للمكان حسب نظرية النسبية الخاصة ، ولكنه لا يعدو كونه وسيلة لتحديد ترتيب الأحداث بالنسبة لمعظم الناس على كافة درجاتهم العلمية والاجتماعية والدينية .
وربما يكون مصطلح الزمان هو الأعصى على التعريف، بحيث يختلف باختلاف وجهة النظر التي ننظر بها، وفي كل الأحوال يمكن اعتبار الزمن على أنه هو الحياة، ذاهب لن يعود، فماض باد، وواقع عاد، ومستقبل جاد…لا ينتظرني ولا ينتظرك أيداً سواء كنت فقيراً تنام على الرصيف، أو غنيا تنام على الفراش والمطارف.
وأعجبني قائل عن الغرب : مايفعله أحدهم إذا سافر في طائرة؟ فلا تراه إلا وكتابه، تارة يطالع، وأخرة يحفظ، وثالثة يتأمل، وأحدنا يغط غطيطا في نوم عميق، أضاع الطريق والوقت.
وإنني لأعتقد بأنه لا يوجد دين يقدر قيمة الوقت مثل الإسلام، حيث أعطى القرآن الكريم أهمية بالغة للزمن، والمعلوم أن الله إذا أقسم بشيئ فهذا لبيان أهميته وعظيم منفعته، ولقد أقسم الله عز وجل بأزمان وأوقات معينة، وذلك لبيان شرف الزمان وشرف الوقت فأقسم ربنا جل ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضحي فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} أي لا يصيبك فيها الشمس.
قال تعالى: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*) فأقسم الله بالضحى وما جعل فيه من ضياء وقال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) و لماذا استخدم الله مع الليل كلمة (يَغْشَى) ومع النهار كلمة (تَجَلَّى)، وهل توجد معجزة وراء ذلك؟ حيث أن الأساس في الكون هو الظلام، وأن النهار هو حالة خاصة، ويؤكد العلماء أن معظم الكون يغشاه الظلام، ونسبة الضوء أو النهار في الكون أقل من 1 % من حجمه! ولذلك فإن الليل يغشى كل شيء في الكون، أما النهار فهو ينجلي في أماكن محددة من الكون. فأقسم الله باليل إذا أغشي الخليقة بظلمه، وأقسم بالنهار إذا ظهر ضياؤه وإشراقه .
قال تعالى : (والفجر وليال عشر ) فأقسم الله بالعشر الأول من ذي الحجة كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام, ـ يعنى أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بماله ونفسه, ثم لم يرجع من ذلك بشيء) أخرجه البخاري.
فأقسم الله بما هو أهم من ذلك كله وهو الزمن والدهر والعصر، والمقصود بالعصر هو: الزمن، والدهر لشرفه وقيمته، وفي قسمه تعالى بالعصر دليل على أن أنفس شيئ في الحياة هو: العمر.
فإن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا وقت قصير … أنفاس محدودة … فمن استثمر تلك اللحظات والساعات في الخير والجد فطوبى له، ومن أضاعها وفرط فيها فقد خسر زمنا لا يعود إليه أبدا.
فالوقت هو النعمة التي يتساوى فيها الفقير والغني، وهو الشء الوحيد الذي لا يباع ولا يهدى ولا يمكن لأحد الحصول عليه، وقد بين صلى الله عليه وسلم هذه النعمة بقوله : (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) أخرجه البخاري.
والمؤمن في الأصل لافراغ لديه قال تعالى : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) والتي يأمر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من طاعة أو عملٍ ما أن ينصب ويبدأ في عمل أو طاعة أخرى، وأن يرغب إلى ربه في الدعاء والعبادة، والتضرع والتبتل، لأن حياة المسلم الحق كلها لله، فليس فيها مجال لسفاسف الأمور، بل إن اللهو الذي تبيحه الشريعة لأصناف من الناس كالنساء والصبيان، أو في بعض الأوقات كالأعياد والأفراح؛ فإن من أعظم مقاصد ذلك أن يعيش أن يستجم الإنسان ـ والاستجمام للجد مرة ثانيةً من الشغل النافع ـ وأن يعيش العبودية لله في جميع أحواله، فهو يعيشها في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي الحضر والسفر، وفي الضحك والبكاء، ليتمثل حقاً قول الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) . وقال صلى الله عليه وسلم : (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ)
فالعمر هو الوقت الذي يجب الحرص عليه ،وأننا مسؤولون عنه وسنحاسب عليه في ذلك الموقف العظيم وقال صلى الله عليه وسلم : ( اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناءك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ) حديث صحيح على شرط الشيخين.
ويشير الدكتور حامد أبو طالب إلى أن الغالبية العظمى من المسلمين –الآن- أصبحوا لا يحترمون قيمة الوقت، ولا يدركون أهميته في إصلاح شؤون حياتهم ومجتمعهم ، في الوقت الذي أدرك الغرب قيمة الزمن، واستثمؤه في نهضة مجتمعاتهم ، وبذلك تقدموا وتخلفنا نحن بسبب اهدار الوقت ، وإضاعته فيما لا يفيد، ويشيركذلك إلى دور إدارة الوقت لصناعة الحضارة قائلا تبدأ صناعة الحضارة من حرص أفرادها على احترام الوقت كقيمة حضارية، وجاء الإسلام مدركا لهذه الحقيقة، لذلك اهتم اهتماما كبيرا بالوقت، وحث أتباعه المحافظة عليه واستثماره، فيما ينفع دينهم ودنياهم، وسيحاسب المرء إذا لم يحسب للوقت حسابه، ويعتقد أبو طالب أن من أهم أسباب تأخر المسلمين الآن هو عدم استثمارهم للوقت الذي حدده الله لهم للعمل، مشيراً إلى أننا لم نعد نعي قيمة الوقت وضيعناه هباء دون أن يعود بأي شيئء على الإسلام والمسلمين.
فمن المفروض أن يبدأ يوم المسلمين من الخامسة صباحا –تقريبا- وينتهي في العاشرة مساء، بمعنى أننا في يومنا 17 ساعة عمل ، فلو أنفقنا في العبادة والطعام وما يلزم الحياة الإنسانية 5 ساعات يوميا، فيصبح الباقي حوالي اثنتي عشرة ساعة للعمل الجاد، وهذا وقت كاف للانتاج ورفع مستوى المعيشة .
ولكن للأسف نعيش –كمسلمين- من الناحية العملية حياة كسل في الغالب، فلا نعمل في يومنا أكثر من 5 ساعات وهكذا يضيع من وقت كل مسلم ما يزيد عن 5 ساعات يوميا وهذا خطأ فادح سوف نسأل عنه في الآخرة، ونعاني من آثاره السلبية في الحياة الدنياز
إن معظم الناس كلما حدث شيء يلومون الزمن ويقولون هذا الزمان فيه كذا وكذا وكذا ويلوموا الزمن وكأنه من فعل هذه التصرفات السيئة ولكنهم لا يدركون أن العيب فينا نحن فنحن من يتصرف ونحن من صنع هذا الزمن .
نعيـب زماننـا والعيـب فيـنـا * ومـال زماننـا عـيـب سـوانـا
ونهجو ذا الزمـان بغيـر ذنـب * ولـو نطـق الزمـان لنـا هجانـا
وليس الذئب يأكـل لحـم ذئـب * ويأكـل بعضنـا بـعـض عيـانـا
فيجب أن ننظر إلى تصرفاتنا قبل أن نلقي اللوم على برئ مثل الزمن فنحن من سوف يحاسب وليس الزمن ولنستحضر قوله تعالى : (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)
واعلم أن أول شرط من شورط النجاح في الحياة هو إدارة الوقت بفعالية وتنظيم حيث يمكن تقسيم وقتك إلى عدة عناصر : أولها استغلاله في ما يفيدك ويعود عليك بالعبادة والعلم والتطوير والمنفعة ، ثانيها : لقاء الأقارب والأصدقاء وجزء آخر للترفيه والترويح عن النفس … وبذلك تكون قد أشبعت متطلباتك النفسية واستفدت من حياتك الدنيوية وجعلت من الدنيا مزرعة للآخرة .
وإنني لأعجب من تهاني ومباركات تنهل علينا من كل حدب وصوب مع بداية قدوم سنة جديدة هجرية كانت أم ميلادية والتي تعني انقضاء سنة منصرمة مضت من أعمارنا مع كل ما تحمل من أحداث وأعمال ؟ فهي نقص من العمر المكتوب في علم الغيب وسحب من رصيد وليس زيادة فيه، وأي رصيد ؟ هو أغلى وأبلغ رصيد نملكه ألا وهو العمر .
وإني لأرى وإن كان لا بد لفعل شيء في يوم رأس السنة فلتكن التعازي بيننا لفقدان سنة ذهبت ولن تعد ! بل ربما تبادل الأماني لسنة قادمة مفعمة بالعمل الصالح الذي ينفع صاحبه ومجتمعه ووطنه والناس أجمعين .
وإني لأعجب أيضا – وبسبب الواقع الخانق الذي نمر به – من حال الموظف المسكين الذي يقاتل الوقت كي يذهب وينقضي ولا يسره من الأيا إلا آخر الشهر الذي يتقاضى به راتبه ! مسكين هو ؟ فقد باغ الغالي بالرخيص ! باع عمره بدراهم معدودة في صراع من أجل البقاء والبقاء فقط .
وأختم بعارة بسملة بها سيرتي الذاتية :
( إن الحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله )
الهم اجعل محياناا ومماتنا وما بينهما لك يارب العالمين
كتبه الدكتور/ محمد أبو الفرج صادق
أكاديمي وكاتب ومفكر عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى