الرئيسية / إغتراب / يوم غضبتْ نفسي

يوم غضبتْ نفسي

الشمال نيوز – عامر الشعار

جميل الدويهي: “يوم غضبتْ نفسي” من الكتاب الفكريّ الخامس – يصدر عام 2021
غضبتْ نفسي منّي وقالت: كم ضجرتُ من هذا الجسد الذي يحتويني! وأشعر أنّني نغمة في قصب يابس، أو جدول لا يستطيع أن يخرج من ضفّتيه إلا لتلاحقه لعنات الناس.
قلتُ لها إنّ القصبة قد وُلدت لكي ترتعش في الهواء، وهي لم تعرف الموسيقى إلاّ بعدما قطعتْها فأس المُبدع، وعملت فيها، ليخرج منها لحن شجيّ… وكم من القصب الذي في البراري، يشتهي أن يأخذه المبدع ويحوّله إلى آلة موسيقيّة، تُفرح الناس وترافقهم في لياليهم وأعراسهم! أنتِ يا نفسي أفضل من العيدان اليابسة، وأكثر فائدة من جداول كثيرة لا تفيض عن ضفافها، لكنّ ماءها ملوّث، ولا تنفع لشيء.
قالت: وعلى الرغم من ذلك، فإنّني أشتهي أن اتحرّر منك، وأصعد إلى الجبال، فابتهل وأفرح بالسماء الزرقاء، ونور الشمس، ولا يكون لك سلطة عليّ.
أشفقتُ على نفسي، وأعطيتُها الحرّيّة، لكي تبتعد عنّي، فأسرعتْ في خطاها نحو الهضاب العالية. وكانت غبر مصدّقة أنّها صارت طليقة بعد زمان طويل من الأسر. وبينما كانت تمشي في الغابات، مرّت بجوار ينبوع جافّ، ليس فيه قطرة لظامئ، فنفختْ فيه وانساب منه ماء عذب. وشاهدت عصافير حزينة نختبئ من الشتاء، فوهبتها ربيعاً لكي تخرج من صمتها وتطير في غبطة. ورأت الفلاّحين يلطمون وجوههم لأنّ زيتونهم لم يثمر، وقمحهم كان قليل الحصاد… فعطفت عليهم وملأت حقولهم بالثمار الناضجة، وبيادرهم بقمح وفير.
وبعد سنة، اشتاقت نفسي إليّ، وفُوجئتُ بها تطرق على بابي، وتطلب منّي أن تعود إليّ. سألتُها عن الحرّيّة، فقالت إنّها شيء كالعبوديّة، وإنّ الحياة من غير نزوات جميلة هي موتٌ للجسد والروح… وأخبرتْني أيضاً أنّها عاشت في أحزان، وكان كثيرون يضحكون منها، ويقولون بعضهم لبعض مستغربين: كيف تُبحر سفينة والبحر قد جفّ، ولم يبق منه سوى الرمال؟
وبينما كنت أعانق نفسي، وأحتفل برجوعها بعد طول انتظار، سمعتها تقول: كم رائعة هذه القصبة اليابسة التي هي أنت، وكم مدهشة! فمن غيرها يحزن الغِناء، وتنتحبُ كلّ سعادة.
وقبل أن تهدأ نفسي وتنام في سريرها، أخبرتها عن رجل كانت عنده آلة موسيقيّة أراد أن يبيعها، فأخذها إلى متجر للتُّحف القديمة، وعرضها على صاحبه، فسأله صاحب المتجر: هل تريد أن تبيعها من غير الموسيقى التي في داخلها؟
فأجاب الرجل: نعم، أبيعها وحدها.
فقال صاحب المتجر: أعطيك ديناراً واحداً.
– وإذا أردت أن أبيع الموسيقى وحدها، وأترك الآلة معي؟!
– أعطيك ديناراً واحداً أيضاً.
عند ذلك حكّ الرجل رأسه، وقال: أبيعهما معاً، فكم تدفع لي؟
فقال له التاجر: أدفع لك مئتي دينار.
__________
جميل الدويهي: مشروع “أفكار اغترابيّة” للأدب الراقي

عن amer shaar

شاهد أيضاً

نائب منطقة بانكستاون السيدة تانيا مهيلك بضيافة جمعية ابناء الضنية الخيرية

الشمال نيوز – عامر الشعار قامت نائب منطقة بانكستاون السيدة تانيا مهيلك بزيارة ودية الى …