الرئيسية / ثقافة وفنون / بواسطة الشّاشة، أو عن طريق كبسة زر : اطلبوا العلم… ولو عن بعد

بواسطة الشّاشة، أو عن طريق كبسة زر : اطلبوا العلم… ولو عن بعد

الشمال نيوز – عامر الشعار

إيمان درنيقة الكمالي
أستاذة جامعيّة وثانويّة
رئيسة مركز إيليت للثقافة والتّعليم

بواسطة الشّاشة، أو عن طريق كبسة زر :
اطلبوا العلم… ولو عن بعد”

على مدار السّنوات القليلة الماضية، شهد العالم بعض الكوارث والنّكبات كالزّلازل والفيضانات، والكثير من المحن السّياسية والثّورات التي اندلعت في العديد من الدول وأثّرت على حياة النّاس، ولكن لم يكن أيّ منها بحجم عالمي مثل جائحة كوفيد -19، فمنذ ظهورها في مدينة ووهان Wuhan الصينية أواخر العام الماضي ، انتشر مرض فيروس كورونا وتفشّى بطريقة سريعة ومتزايدة في معظم دول العالم وأصاب عددا كبيرا من الناس حتّى بلغ عدد الإصابات بفيروس كورونا حول العالم اليوم حوالي 13 مليون حالة وفق بيانات جامعة “Johns Hopkins University” جونز هوبكنز الأمريكية.

وفي محاولة لوقف انتشار الفيروس خلال هذه المرحلة الصّعبة الّتي كان العالم ولا يزال يمرّ بها ، نفذّت السّلطات حول العالم -وبدرجات متفاوتة- العديد من الإجراءات لإغلاق البلدان والمدن، وشملت تلك الإجراءات إغلاق الحدود وإغلاق أماكن العمل والمدارس وحظر التجمعات الكبيرة… ولم تقتصر آثار هذه الأزمة على الانحدار الاقتصادي والمالي ، أو العدد الكبير من الإصابات اليوميّة والوفيات في جميع أنحاء العالم ، بل تعدّتها إلى التّأثير على أسلوب التّعليم الذي تعرّض الى عاصفة إلكترونية فاجأت العالم بأكمله…

وإذ نجحت العديد من البلدان في النّصف الغربي من الكرة الأرضية في توفير تعليم منتج عبر الإنترنت ، أثبتت غالبية مدارس دول العالم الثالث عدم فعاليّتها في هذا المجال، وليس لبنان الا واحدا منها… والمشكلة أكبر في مدينة طرابلس المنسيّة …

فبالرّغم من أنّ العديد من المدارس في طرابلس قد سعت جاهدة لإنقاذ العام الدّراسي الماضي من خلال إيجاد أفضل الطّرق والسّبل لاستخدام التقنيات والتّطبيقات لمواصلة التدريس عن بعد، عجزت النّسبة الأكبر من المدارس (بخلاف الجامعات) عن التكيّف مع الحالة الجديدة …
المشكلة هي أنّ معظم المدارس في طرابلس لم تكن تعتمد أي شكل من أشكال التعليم عبر الإنترنت من قبل ، وفجأة تمّ دفع المعلّمين والطّلاب إلى الانتقال بشكل غير متوقّع وبوقت قياسي إلى التعليم والتعلّم بهذه الطريقة ، دون اي تدريب مسبق ، وحتّى في بعض المدارس الّتي تمّ فيها اخضاع الاساتذة خلال فترة الحجر لقليل من الاعداد لتاهيلهم وتعويدهم على طريقة استخدام هذه التقنيات، فقد ظلّ هذا الاعداد ضمن نطاق هزيلٍ و غير كافٍ؛ الأمر الذي حال دون اعتبار العمليّة التعليميّة والتعلميّة ككل “تعليمًا عبر الإنترنت ” ؛ بل بقيت مجرد ” تجربة” وانغمست في حالة من الفوضى وسط بلبلة وانتقاد من الأهل والأساتذة على حدّ السواء…
تهدف هذه الدّراسة الى تحديد أكبر العوائق والقيود التي أثّرت وتؤثر على طريقة التدريس الجديدة في مدارس لبنان عامّة وطرابلس خاصّة خلال جائحة COVID -19 ، ثم اقتراح بعض التوصيات التي يمكن أن تساعد في ضمان كفاءة وفعالية أساليب التعلم عبر الإنترنت وذلك من أجل تحقيق “التّعليم حق للجميع “!!!

معوقات التعليم الإلكتروني عن بعد

يمكن تصنيف اكبر المشاكل التي تواجه التّعلّم الالكتروني في ثلاث خانات رئيسيّة ، فمنها ما يتعلق بالبنى التحتية التي لا تزال متخلّفة ومخيّبة للآمال، ومنها ما يتعلّق بالمعوّقات البشرية وانعدام المؤهلات التقنيّة عند الاساتذة والطلّاب، ومنها ما يتعلّق بالذهنية والسلبيّة السائدة في المجتمع الطرابلسي تجاه هذه الطريقة…

تعتبر المشاكل المتعلقة بالبنية التحتية مثل صعوبة الوصول إلى الإنترنت ، وسرعة الإنترنت المنخفضة ومحدودية تغطيتها وسعرها الباهظ و انقطاع التيار الكهربائي المستمر من المشاكل الشائعة في طرابلس.
من المعروف أن العديد من الطلاب في طرابلس يعتمدون للوصول إلى خدمة الإنترنت أو شبكة Wi-Fi على تأمين ال 3G لأجهزة هواتفهم الخاصة، والّتي تكون عادة باهظة الثمن، او عن طريق اشتراكات شهرية بطيئة السرعة، اذ لا تتجاوز سرعة الانترنت في لبنان 3.2 ميجابت / ثانية ، وهي سرعة بعيدة كل البعد عن اعتبارها نطاقًا عريضًا ، مقارنة بمتوسط سرعة الإنترنت العالمية البالغة 22.3 ميجابت / ثانية؛ وما يجعل الوضع أسوأ هو أن العديد من المستخدمين ،قد استخدموا الإنترنت بطريقة مفرطة خلال فترة الحجر وذلك لغايات متعدّدة كالترفيه والعمل والتواصل، وهذا الطلّب المرتفع على استخدام الشبكة أدّى إلى إبطاء خدمة الإنترنت بشكل أكبر وأكبر، وأعاق كل احتمال لعملية تعلّمية فاعلة وفعالة، التي على العكس اتّسمت ب ” تقطيش الصوت ” (بالعامية) بحيث كان التّلاميذ يلتقطون خلال الحصة شيئا ( كلمة) وتغيب عنهم أشياء (كلمات) .
أضف الى هذين العبئين الثقيلين مشكلة انقطاع التيار الكهربائي اليومية بسبب التقنين القاسي وقلّة الاشتراكات التي أصبحت” لمن استطاع اليه سبيلا” بسببب سعرها الباهظ ، وعدم قدرة هذه الاشتراكات على تأمين التيار الكهربائي بشكل دائم ، مما أدّى ويودّي الى توقف خدمات النتّ و توقف التعليم عن بعد، إذ يتراوح عدد ساعات انقطاع التيار الكهربائي اليومي بين 12 إلى 18 ساعة في بعض المناطق، الأمر الذي لا يسمح للطلاب الانضمام الى الصفوف اليومية، باستثناء قلّة من المحظوظين الذين يستطيعون تكبّد التكاليف الباهظة لمولدات الطاقة الخاصة التي توفر لهم الكهرباء على مدار الساعة. خلاصة القول هي أن التعليم عبر الإنترنت ، والذي يتطلب بشكل أساسي وجود الكهرباء والوصول إلى الإنترنت وسرعة الإنترنت ، يفتقر إلى كل هذه المتطلّبات الأساسية في طرابلس.
علاوة على ذلك ، فإنّ عدد قليل من التلاميذ يمتلكون جهاز كمبيوتر محمول Laptopأو أو جهاز لوحي iPad، بينما تلجأ الأكثريّة الى استخدام هواتفهم او هواتف اهلهم المحمولة، وتكبر المشكلة وتتفاقم في العائلات التي تتكوّن من عدّة اولاد اذ يستحيل تأمين جهاز كمبيوتر او حتّى جهاز لوحي أو هاتف ذكي لكل واحد منهم…

والمشكلة الأكبر تتعلّق ب الشّحّ الكبير لوجود ذلك ” المعلم” الذي يجيد “فن التعليم الالكتروني”، اذ يجب الاعتراف بحقيقة وهي أنّ معظم المعلّمين في المدارس في طرابلس لا يتقنون هذا النوع من التعليم. كما أن الكوادر البشريّة المؤهّلة التي تجيد تصميم وإنتاج المواد التعليمية المناسبة الكترونيا والإشراف على سير العملية التعليمية عن بعد بالشكل السليم هم قليلون … فلا المعلمون ولا حتّى الطلاب مدرّبون على التدريس والتعلم عبر الإنترنت ، أو استخدام LMS (Learning Management Systems).
البعض ليس لهم أية دراية بأي تطبيق باستثناء استخدامهم اليومي لهواتفهم الذكية لغاية الاتصال. في الواقع ، مع الظهور المفاجئ لوباء COVID -19 ، قررت المدارس والمدرسون التحول فجأة ، دون تدريب سابق على الإطلاق ، إلى التدريس عبر الإنترنت ، باستخدام تقنيات ضخمة وتطبيقات مختلفة ك Microsoft Teams و Zoom و Edmodo و Google Classroom و و Webexو Flip Grid وغيرها … لأداء مجموعة متنوعة من المهام والأنشطة في بيئة التعلم الطارئة في كل مكان. كان هذا تحديًا كبيرًا لهم جميعًا ، وبما أن الأمور لا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها ولا يمكن تطوير الكفاءات التكنولوجية أو اكتسابها على الفور ، فإن الافتقار إلى هذه الكفاءات من جانب كل من المعلمين والمتعلمين أعاق نجاح التعلم عبر الإنترنت في مدينتنا . وبالتالي ، ما يمكننا استنتاجه مما سبق هو أننا لسنا مستعدين بعد بشكل كافٍ للتدريس عبر الإنترنت بسبب نقص المعلمين والطلاب ذوي الخبرة في هذا المجال ؛ الشيء الذي يشكل قيدًا آخر على التعليم عبر الإنترنت. بالإضافة إلى ذلك ، لا يوجد تنسيق في العمليّة ، ولا معايير متفّق عليها ، كما لم يتمّ وضع نظام تعلّم واحد ليتم استخدامه من قبل جميع المعلمين وجميع الطلاب، فكان كل معلم يجتذب تقنية مختلفة (تلك التي وجدها شخصيًا أكثر ودية وأسهل في تبنيها من قبله) ؛ بينما اكتفى البعض باستخدام تطبيق الواتساب وارسال رسائل صوتية تتضمّن شرحا للدروس ، مؤمنين أنّهم بذلك قد ساهموا في تقديم تعليم فعّال وسلس عبر الإنترنت.

واضافة الى كل هذه المشاكل، هناك المشكلة المتعلّقة بنظرة المجتمع السّلبية لهذه الطريقة وعدم قناعة الناس بفعالية هذه الطريقة في التعليم ؛ مما أدّى إلى إحجام البعض عنها..
للأسف نعيش في مجتمع يتمّ فيه رفض لكل ما هو جديد…كلّما حدث تحوّل أو تغيير ، تسارعت التنظيرات والانتقادات وجبهات الرفض والتفشيل بدل الاحتواء والتكيّف والقبول.. لا أدّعي بقولي ذلك أن هذا النوع من التّعليم هو الطريقة الفضلى او أنه البديل المثالي للتّعلم التقليدي الذي ينتقل من أحداق العيون وشغاف القلب مباشرة الى الطلّاب دون عائق الشاشة الموجود في عالم النتّ ؛ كل ما أقول أننا في مرحلة حسّاسة ودقيقة لا يجوز فيها هدر طاقات الشباب وشل مسارهم التعليمي بحجّة الانتظار الى انجلاء جائحة كورونا التي قد تستمر للسنة القادمة ،دون ان ننسى أنّنا عرضة لشتّى أنواع الاضطرابات..

ما الحل
هناك عدّة اقتراحات تقع معظمها على عاتق الدولة لجعل التعليم عن بعد متاحًا للجميع، وتكمن هذه الاقتراحات بأن تعمل الدولة على تأمين جهاز كمبيوتر لوحي iPad أو كمبيوتر محمول Laptop مجاني لكل طالب وطالبة، وتزويد الطلاب بال 3G مجانا خلال العام الدراسي ، او امداد العوائل التي تمتلك Router ب UPS وذلك لضمان وجود النتّ حتى في حال انقطاع التيار الكهربائي ، وهذا ما سيسمح لجميع الطلاب الالتحاق بالمنصة الرقمية مجانًا وفي كل وقت …

من جهة ثانية، لا بدّ من اطلاق دورات تدريبيّة للسماح للاساتذة والتلاميذ على حد السواء التعامل الجيّد مع وسائل التعليم الإلكترونيّ الحديث ، بعض هذة الدورات تكون موجهّة الى الاساتذة لتحسين كفاءاتهم التكنولوجية، وتطوير بعض المهارات التقنية في هذا المجال ( تأهيلهم لكيفية اضافة ملفات وموارد ، التخزين السحابي عبر Google Drive ، و Drop box ، و One Drive ، ونشر رابط قابل للمشاركة على Moodle لأي ملف يرغب المعلمون في أن يقوم الطلاب بعمل عليه) ، اضافة الى دورات تأهيليّة تستهدف الطلاب وذلك لاطلاعهم على الأساليب الرقمية ومساعدتهم على اكتساب المهارات ذات الصلة كأن يتعلّمون كيفية الوصول إلى الفصل الافتراضي ، ومشاركة الموارد ، وتحميل المهام وتنزيلها ، ومشاهدة مقطع فيديو ، وإجراء اختبار ، والمشاركة في مناقشات الفصل وما إلى ذلك…

كذلك لا بد من إطلاق دورات توعية للاهل، شأنها تغيير الصورة السلبية عن التعليم الاكتروني واقناعهم بجدوى هذه الطريقة واهميّتها في الوقت الراهن وحثّهم على تأمين بيئة تعلميّة صالحة في المنزل وجو هادئ يسمح لأبنائهم العمل والتركيز..

ويبقى التلميذ المحور الاساسي لاي عملية تعلمية لذا لا بد من اطلاق حملات توعية تستهدف الطلاب أنفسهم وذلك لحثّهم على الإيمان بأنّه مهما كانت الظروف والتحدّيات، لا بدّ لهم من متابعة التّعلّم لانّ في الانقطاع دمار ا لهم ولمستقبلهم… وحتى لوكان التحوّل طارئا وصعبا، لا بدّ لهم من التكيّف معه واحتوائه والتسلّح بالارادة والعزم والصبر ، وبذل كل الجهود الممكنة لجعل هذه التجربة تجربة ناجحة وممتعة والاستفادة منها على أقصى الدرجات..

أختم قائلة، لا يمكن أن نقارن التعلّم التقليدي بالتعلم الالكتروني ، وأن نكتفي بالتحسّر على ما مضى أو بانتقاد الوضع الحالي ، فعقارب الساعة لا تعود الى الوراء، ونظام العولمة قد بسط أجنحته في كل الميادين، لذا لا بد من الاقتناع أنّ هذه هي الطريقة المثلى اليوم ، ولكل زمن ووقت طريقته، فكما كان التعليم أيّام زمان تحت السنديانة وكان للعصا المشهورة آثارها على اجساد الكثير من المتعلمين، ومن ثم انتقلنا الى الصفوف واللوح الاسود وبعدها الى الالواح البيضاء والالواح الذكية … ، فان اليوم هو زمن التعلّم الرقمي أكان ذلك كله عن بعد أو كان مدمجا، لا يهمّ … المهم أن نقتنع أنّه علينا السير في هذا الرّكب الجديد لأننا طلّاب علم، وطالب العلم يطلبه ” حتى لو في الصين” وحتى لو كان ” بواسطة شاشة أو عن طريق كبسة زر”….

عن amer shaar

شاهد أيضاً

رحم الله العميد خالد ماردلي 🇱🇧 للشاعر محمد حسن

الشمال نيوز – عامر الشعار🇱🇧 *رحم الله العميد خالد ماردلي* 🇱🇧*للشاعر محمد حسن* Share