الرئيسية / مقالات مختارة / تغيير النظام اللبناني بين طموحات 17 تشرين وفيتو حزب الله (1)

تغيير النظام اللبناني بين طموحات 17 تشرين وفيتو حزب الله (1)

كتب علي شندب

تغيير النظام اللبناني
بين طموحات 17 تشرين وفيتو حزب الله (1)

تنطلق هذه الإشكالية حول تغيير النظام اللبناني، بسبب المختنقات المتعددة التي تلف الدولة اللبنانية وكيانها المأزوم، وعجز آليات النظام اللبناني عن إجتراح الحد الأدنى من الحلول الواقعية التي يحتاجها الوطن دولة ومجتمعا وكيان، لكن التخبط المتناسل من أزمة النظام السياسي المكبل بموازين قوى تفوق قدرة توازناته السياسية والمناطقية والطائفية والمذهبية.
ويطرح سؤال التغيير الملح هذا نفسه، من باب ضرورة ابتكار نظام يؤمن سيولة وانسيابية توازن القوى الجديد الذي نشأ بعض إقرار اتفاق الطائف الذي أدخل بعض التغيير عبر تعديلات دستورية في النظام السياسي باتت هي الدستور الجديد.
وإذا كان إتفاق الطائف كتسوية عربية دولية يعبّر عن نسق جديد لتوازن غالبية قوى الأمر الواقع المحلية في لبنان آنذاك، والتي اصطدمت برفض ومعارضة رئيس الحكومة العسكرية وقائد الجيش السابق ميشال عون الذي غادر المشهد إثر ضربة عسكرية (في القصر الجمهوري ووزارة الدفاع وأبحر بعدها على متن فرقاطة فرنسية الى باريس) من أحزاب الطائف اللبنانية وسوريا بوصفها الراعي الأمني والسياسي للطائف الوليد.
وبالتوازي مع إنهاء تمرد ميشال عون كان حزب الله يتنامى برعاية إيرانية سورية ضمن إطار المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، ثم ما لبث أن احتكر المقاومة ضد إسرائيل وأقصى عنها أهلها المؤسّسين الأصليين، متفردا في تحقيق شعبية متنامية ونفوذ متصاعد جراء المردود المعنوي الكبير الذي توفره العبوات الناسفة ضد المحتل الإسرائيلي. ثم نمت أدوات حزب الله وماكيناته التنظيمية والإعلامية والسياسية والاجتماعية تزامنا مع نمو دوره وتضاعف نفوذه وحضوره داخل بيئته الشيعية والبيئة الوطنية في لبنان وداخل النظام اللبناني حتى أتت لحظة اغتيال رفيق الحريري وتداعياتها المتواصلة حتى اليوم.
وقد اعتبر خروج الجيش السوري من لبنان من أول وأبرز تداعيات اغتيال الحريري حيث وجهت أصابع الاتهام في تفجيره لكل من حزب الله وسوريا وما اصطلح على تسميته بالنظام الأمني اللبناني السوري، رغم أن حزب الله بعد خروج الجيش السوري من لبنان تحول الى وريث كامل الأنصبة السياسية والأمنية لسوريا في إدارة الملف اللبناني الذي كانت تديره قبيل خروج قواتها من لبنان.
إذن بات في يد حزب الله ورقتي قوة لم يمسكهما يوماً مطلق تنظيم أو حزب أو حركة أو طائفة، وهما المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإدارة لبنان نيابة عن سوريا وبديلا لها من جهة أخرى، ما يعني أن حزب الله أمسك وتدخل في كل تفاصيل الواقع اللبناني المتفجر نتيجة اغتيال الحريري والمفتوح على احتمالات عدة بينها عدوان تموز الذي كسر عظام لبنان دون أن يحقق أهدافه في سحق عظام الحزب، الأمر الذي كرّسه رقم صعب في معادلات لبنان انطلاقا من المقاومة ضد إسرائيل جنوبا، والتهويل باستخدام القوة ثم استخدامها فعليا كما حصل في 7 أيار غير المجيد عاصمة وجبلا. 7 أيار غير المجيد نتج عنه مفاعيل سياسية هامة وفرض إدخال تعديلات جوهرية على تسوية اتفاق الطائف فيما عرف باتفاق الدوحة والذي انتزع فيه حزب الله حق النقض (الفيتو) على قرارات مجلس الوزراء وهو الفيتو الذي أسمته قوى 14 اذار اصطلاحا بالثلث المعطل، فيما سمّاه حزب الله تنعيما لخشونة “فائض القوة” التي استخدمها في 7 أيار بالثلث الضامن.
واذا كانت صفحة الحرب الأهلية قد طويت بإنهاء تمرد ميشال عون نتيجة تسوية اتفاق الطائف الذي جعل القرار بيد مجلس الوزراء مجتمعا بعدما كان بيد رئيس الجمهورية لحد بعيد، فإن غزوة حزب الله لبيروت في 7 أيار 2008 التي توجت بتسوية اتفاق الدوحة الذي حصل فيه الحزب على الفيتو او الثلث المعطل داخل مجلس الوزراء وعلى قراراته، وهو الفيتو المتمددة صلاحياته بفائض قوة السلاح الى تشكيل الحكومة وتكليف رئيسها وتسمية وزرائها، وذلك بفضل مروحة القوى الوازنة التي صنعها حزب الله عبر تحالفاته ضمن أحزاب 8 اذار المكوّنة من حلفاء سوريا في لبنان ومع تيار العماد ميشال عون الذي تمكنت بندقية حزب الله إياه من إيصاله الى القصر الجمهوري بعد شغور موقع الرئاسة لأكثر من عامين، ما يشي بأن الحزب تماثل مع سوريا نفسها وربما تفوق عليها عندما كانت في عزّ قوتها وتفردها في إدارة الملف اللبناني، وقد تدرّج الحزب في الإمساك بالواقع اللبناني ومفاصل النظام من الثلث المعطل الى فرض انتخاب رئيس يسميه للجمهورية الى موافقته المسبقة على اسم رئيس الحكومة وصولا الى تسميته رئيس الحكومة نفسه، إضافة لتعطيل تشكيل حكومة الحريري الأخيرة بضعة أشهر ليفرض الحزب على رئيس الحكومة سعد الحريري توزير ممثل عن اللقاء التشاوري للنواب السنة الستة الموالين له، في خطوة شكلت اختراقا نوعيا داخل الطائفة السياسية في تسمية بعض وزرائها، وأخيرا الى تسمية رئيس حكومة من خارج الأكثرية السنية بل ومن خارج الأقلية أيضا، وبدون مباركة دار الفتوى غير الشكلية، فكان تكليف حسان دياب بتشكيل الحكومة تعبيرا حقيقيا عن الواقع الجديد الذي يعكس مأزومية النظام اللبناني من جهة وتنامي قوة حزب الله الموازية للنظام وفي داخل النظام من جهة أخرى الى درجة لم تعد تسمح باستمرار بقايا 14 اذار في ترداد المعزوفة السخيفة التي تقول أن “حزب الله دويلة داخل الدولة”، ليصبح منطقيا القول أن “دولة لبنان باتت ضمن دويلة حزب الله”، سيما بعد توسع دور الحزب في حروب المنطقة عامة وانطلاقا من الحرب على سوريا وفيها خاصة، لكنها الحرب التي لم تتعدل موازين القوى فيها الا بعد التدخل الروسي الحاسم، وهي الحرب التي دفعت نصرالله وغيره من مسؤولي حزبه للقول بنشوة المنتصر أنه يرسمون “معادلات المنطقة”، وهي المعادلات التي ترسمها في الحقيقة “روسيكا” والتي كان فيها حزب الله وغيره من الميلشيات التابعة لإيران أشبه بثوار الناتو في العدوان على ليبيا (حيث كان مجاهدي حلف شمال الأطلسي وثواره من ميليشيات 17 فبراير أي نظراء حزب الله الذين امتدحهم نصرالله في خطاب الثورات العربية عام 2011 بمثابة جيش الناتو البري)؛ وهي المعادلات التي نشأت وتنشأ نتيجة تفاهمات أميركية روسية حول سوريا وترسم مناطق وحدود النفوذ فيها، والتي دفعت مسؤولي الحزب الى بلع ألسنتهم وسحب عبارتهم الشهيرة حول “رسم معادلات المنطقة” من التداول تماما كما بلع قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي مع لسانه تهديدات ايران الصاخبة عندما قال “إن الظروف غير مؤاتية لتدمير إسرائيل”، في سحب مدو ومباشر لمعزوفة قادة طهران التي صمّت الآذان “إن ايران قادرة على تدمير إسرائيل خلا سبعة دقائق ونصف”، وهي المعزوفة التي تحولت لكثرة تردادها الى سخرية حقيقية جراء الصواريخ الصوتية الإيرانية، خصوصا بعد الاستهداف الاسرائيلي المكثف لمواقع ايران وميليشياتها على امتداد سوريا.
لكن بعد “17 تشرين” الحراك، الانتفاضة، الثورة، التي أخرجت جموع لبنانية واسعة ومن كل لبنان وأطيافه ومناطقه وطوائفه وشرائحه الاجتماعية والمهنية والعلمية والثقافية والشبابية والطلابية تتقدمهم المرأة اللبنانية في مشهدية وسردية نادرة هدرت بها الساحات والميادين والشوارع وضجت بها الحناجر تهتف بشعار واحد ونشيد واحد وتعبر عن وجع واحد ومطالب واحدة، تتمثل بالعيش الكريم في وطن حر سيد مستقل لجميع أبنائه يريدون استرجاع الأموال المنهوبة والسلطة المسلوبة من طبقة سياسية حاكمة ومتحكمة في مقدرات البلاد على امتداد سنوات خلت وانقضت، طبقة سياسية حكمتها معادلة سحرية تقول “غطوا على سلاحنا نغطي على فسادكم”، وقد أتقن حزب الله استخدام هذه المعادلة لأبعد الحدود بهدف تمرير مشروعه الوكيل المتفرع من مشروع ايران الأصيل، وهكذا عبّرت 17 تشرين عن حقيقة هذه المعادلة بشعارها الذي ملأ الساحات “كلن يعني كلن”، وبعد محاولة نصرالله شيطنة وتهديد وترهيب الثورة، الانتفاضة او الحراك، طوّرت 17 تشرين شعارها وقذفت به في وجه الطبقة السياسية وناظمها شبه الوحيد حزب الله “كلن يعني كلن ونصرالله واحد منهم”، في خطوة نادرة الحدوث نالت من هيبة وصورة ومكانة زعيم حزب الله (وتوأمه في الثنائي الشيعي رئيس حركة أمل ومجلس النواب نبيه بري) وفي داخل البيئة الشيعية اللبنانية العربية إياها، وشكل انخراط شرائح هامة من الشيعة في لبنان العمود الفقري والمشروعية الوطنية لـ 17 تشرين، تماما كما ثار وانتفض “أحفاد الحُسين” في النجف وكربلاء والبصرة وأحفاد “إبراهيم الخليل” في الناصرية على منظومة ميليشات الحشد الشعبي التابعة لإيران المتحكمة في العراق وقد أعلنت “ثورة تشرين العراقية” موقفها غير القابل لمطلق التباس “ايران برا برا بغداد تبقى حرة” في تماثل يصل حد التطابق بين مأساة لبنان ومأساة العراق اللذان تتحكم بهما منظومة مستنسخة ومتناسلة من مشروع الولي الفقيه يمكن تسميتها اصطلاحا بـ “ميليشيا المال والسلطة والسلاح”.
ثم زحف فيروس كورونا معلنا احتلال الساحات والشوارع والميادين وحجر الناس في منازلهم وسط انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق في لبنان، لكن شياطين “ميليشيا المال والسلطة والسلاح” وحدها لم تصفد، بل استمرت على نهج الفساد والمحاصصة ذاته، رغم بروز نشاط ملحوظ من بعض القضاء للتحقيق في بعض أعمال الهدر والمال المنهوب وتوقيف بعض الصرافين كمحاولة للجم ارتفاع سعر الدولار وأخذت ميليشيا المال والسلطة والسلاح ومنها جبران باسيل حليف حزب المقاومة ورئيس التيار غير المختلف أيديولوجيا مع إسرائيل نفسا عميقا في محاولة لامتصاص ومعالجة تداعيات الجروح غير القاتلة التي أصابته بها 17 تشرين وإذ بالتيار إياه وشريكه الحصري في تفاهم “مار مخايل” يجبرا الحكومة على التراجع عن قرارها في خطة الكهرباء لتعيد إقرار إنشاء معمل سلعاتا الكهربائي في منطقة البترون (لاعتبارات تتعلق بالأمن المسيحي الكهربائي كما أعلن باسيل) والمشوب باعتوارات تخمينية كبيرة لسعر الاراضي وأيضا لانعدام وجود شبكة كهربائية، لكن موافقة حزب الله بعد رفضه التي مرّرت مشروع باسيل الكهربائي، أتت بعد كلام فصيح لرموز من التيار الباسيلي طوروا فيه بالممارسة الابتزازية المعادلة السابقة التي تقول “غطوا على فسادنا نغطي على سلاحكم”، الى معادلة جديدة تقول “سلعاتا مقابل السلاح”.
الابتزاز البشع هو السمة البارزة في السياسة اللبنانية وخاصة بين الحلفاء، وهو سمة العلاقة والتعامل بين قطبي تفاهم “مار مخايل” المتصدع والمعرض للسقوط لانتهاء الصلاحية بين زعيم تيار الممانعة ضد إسرائيل وبين زعيم التيار غير المختلف أيديولوجيا مع إسرائيل.
لكن مفاعيل إعادة إقرار مشروع “الأمن الكهربائي المسيحي” في سلعاتا كانت مدوية في الشارع المستفز أصلا من سلوكيات الطبقة السياسية، فتحركت التظاهرات بعفوية منظمة باتجاه منازل عدد من النواب بينهم جبران باسيل وعزفوا له نشيد “الهيلا هيلا هو” قرب منزله، لكن التحرك الأبرز كان باتجاه القصر الجمهوري حيث أحرقت صور ميشال عون للمرة الأولى أمام “بيت الشعب” سابقا.
هذا الوضع معطوفا على انهيار الوضع الاقتصادي والمالي نتيجة التمادي في استخدام معادلة الفساد مقابل السلاح، معطوفا على العقوبات الأميركية على بعض المصارف القريبة من حزب الله والمصنف إرهابيا في بعض أوروبا وعلى تخبط الحكومة بأرقام مالية متناقضة في الحوار مع صندوق النقد الدولي، مع الشروع في تطبيق “قانون قيصر” الأميركي على سوريا تزامنا مع عقوبات أميركية جديدة على حزب الله وبعض حلفائه، مع محاولات خجولة لمكافحة التهريب عبر الحدود اللبنانية السورية والذي يبلغ نحو سبعة مليارات دولار أميركي، مع مطالبة مستجدة ولافتة لبعض “الحراك” الأمم المتحدة بتطبيق القرار 1559 والقرار 1701 ونزع سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني دون غيره، مع قرب صدور قرار المحكمة الدولية في اغتيال الحريري والذي يتردّد أنه سيدين المستوى الأعلى في حزب الله ما سيفتح البلد على زلزال جديد يفوق زلزال اغتيال الحريري، تزامنا مع مفاوضات أميركية إيرانية (عبر قناتي سلطنة عمان وقطر بعد نجاحها في ملف حركة طالبان الأفغانية)، لصياغة صفقة جديدة مع ايران من أهم بنودها المعلنة تدمير الصواريخ البالستية الإيرانية وتفكيك أذرعة ايران الخارجية وخصوصا حزب الله.
في ظل هذه المعطيات المعلنة لم تكن المعايدة الملتهبة للمفتي الجعفري أحمد قبلان في عيد الفطر ومطالبته بضرورة إسقاط الصيغة اللبنانية التي أرساها بشارة الخوري ورياض الصلح، رغم تزامنها مع طروحات حول الفيدرالية وغيرها، لم تكن عزفا منفردا من المفتي قبلان خارج سرب حزب الله في تغيير النظام لكنها المعيدة التهديدية بتكريس مبدأ المغالبة دستوريا.
اذن تغيير النظام هدف حقيقي لكثير من القوى السياسية الطائفية، فتيار ميشال عون يريد هذا التغيير انطلاقا من استعادة الصلاحيات التي قضمها اتفاق الطائف، وممارسة ميشال عون الرئاسية تشي بنزوع سلوك التفافي في محاولة لاستعادة صلاحيات ما قبل الطائف، وحزب الله يريد تغيير النظام وإدخال تعديلات جوهرية تهدف الى “دسترة” نفوذه وتشريع سلاحه بما يحول دون نزعه وتفكيكه، لكن وللمفارقة من دون إخضاعه لسلطة الدولة، رغم أن هذا السلاح ومنذ عدوان تموز 2006 بات منزوع الصواعق وأشبه بالخردة في جبهة الجنوب الآمنة بغض النظر عن تطوره النوعي والكمي في جبهات أخرى.
“17 تشرين” بدورها، أعلنت صراحة أنها تريد تغيير النظام وقد عبرت عن ذلك بمطالبتها بكنس الطبقة السياسية برمتها وإسقاطها وبناء دولة المواطن المدنية ..

https://ara.tv/5dnnd

عن amer shaar

شاهد أيضاً

الباحث هشام طالب يحذر العالم : شيطان المتنورون 666 قادم ليتحكم بالبشر

الشمال نيوز – عامر الشعارالباحث هشام طالب يحذر العالم :شيطان “المتنورون ” 666قادم ليتحكم بالبشر …